أحدث المقالات

الاستثمار: المغرب يسترجع 5862 هكتاراً من العقارات العمومية ويعبئ مشاريع استثمارية تتجاوز 90 مليار درهم

يعزز المغرب سياسته الرامية إلى ترشيد تدبير العقارات العمومية المخصصة للاستثمار، في إطار توجه جديد يقوم على تشديد مراقبة الالتزامات التعاقدية وتحسين مردودية الوعاء العقاري. ووفقاً لمعطيات وزارة الاقتصاد والمالية، تمكنت مديرية أملاك الدولة من استرجاع 5862 هكتاراً من الأراضي التي سبق تخصيصها لمستثمرين لم يفوا بالتزاماتهم. وبالموازاة مع ذلك، جرت تعبئة 55 ألفاً و351 هكتاراً لفائدة 422 مشروعاً استثمارياً خلال الفترة الممتدة من يناير 2025 إلى يونيو 2026، باستثمارات مرتقبة تناهز 90.4 مليار درهم، مع توقع إحداث 22 ألفاً و585 منصب شغل.

أصبحت تعبئة العقارات العمومية إحدى الأدوات الرئيسية التي يعتمد عليها المغرب لتعزيز جاذبيته الاقتصادية واستقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية. وفي ظل تنامي المشاريع الصناعية والطاقية والمنجمية والفلاحية، تتجه السلطات العمومية نحو تحسين كفاءة استغلال الأراضي الموضوعة رهن إشارة المستثمرين، بما يضمن تحويل الموارد العقارية إلى مشاريع إنتاجية فعلية. وتكشف المعطيات الصادرة يوم الاثنين 26 أكتوبر عن تعزيز آليات المراقبة والتتبع المرتبطة بتنفيذ الالتزامات التعاقدية، في خطوة تعكس توجهاً نحو إرساء حكامة أكثر صرامة في تدبير الملك العقاري الخاص للدولة.

وتأتي عملية استرجاع 5862 هكتاراً من الأراضي التابعة للملك الخاص للدولة عقب عمليات افتحاص ومراقبة همّت مدى تقدم إنجاز المشاريع الاستثمارية ومدى احترام المستثمرين للشروط المنصوص عليها في الاتفاقيات المبرمة. وتهدف هذه الإجراءات إلى الحد من تجميد الموارد العقارية الاستراتيجية من طرف مستثمرين لم يلتزموا بتنفيذ مشاريعهم داخل الآجال المحددة، بما يسمح بإعادة توجيه الأراضي المسترجعة نحو مشاريع أكثر جدوى اقتصادية.

ويعكس هذا التوجه تحولاً مهماً في فلسفة تدبير العقار العمومي، من منطق تخصيص الأراضي إلى مقاربة ترتكز على الإنجاز الفعلي للاستثمارات وخلق القيمة المضافة وتعزيز المسؤولية التعاقدية للمستثمرين. وتبرز الأرقام حجم الدينامية التي شهدتها تعبئة العقارات العمومية خلال الفترة الأخيرة. ففي سنة 2025، حصل 308 مشاريع استثمارية على آراء إيجابية لتعبئة 31 ألفاً و977 هكتاراً، باستثمارات متوقعة بلغت 70.669 مليار درهم. وخلال النصف الأول من سنة 2026، استفاد 114 مشروعاً جديداً من تعبئة 23 ألفاً و374 هكتاراً إضافياً، باستثمارات مرتقبة تناهز 19.7 مليار درهم، ما يعكس استمرار الطلب على العقارات الموجهة للأنشطة الاقتصادية والإنتاجية.

من تعبئة العقار إلى الاستثمار المنتج: تحديات الحكامة والتنمية الترابية

يشكل العقار أحد المحددات الأساسية للقدرة التنافسية للمجالات الترابية المغربية، بالنظر إلى دوره المباشر في استقطاب المقاولات وتوطين الأنشطة الصناعية والخدماتية. ويظل توفير أراضٍ ملائمة ومؤمنة قانونياً ومرتبطة بالبنيات التحتية شرطاً أساسياً لإنجاح المشاريع الاستثمارية.

ويبرز التقرير المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027 الوزن المتزايد للمشاريع الطاقية الكبرى ضمن عمليات تعبئة العقارات العمومية، في سياق الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تعزيز الأمن الطاقي وتطوير مصادر الطاقة المتجددة. فخلال سنة 2025، استحوذ قطاع الطاقة على أكثر من 83 في المائة من إجمالي المساحات العقارية المعبأة، بما يعادل 26 ألفاً و609 هكتارات، خُصصت لتسعة مشاريع باستثمارات متوقعة تناهز 49 مليار درهم.

وتعكس هذه الأرقام الاحتياجات العقارية الكبيرة للمشاريع الطاقية، ولا سيما محطات إنتاج الطاقة الريحية، والمنشآت المرتبطة بالبنيات التحتية المينائية، والمشاريع المستقبلية الخاصة بإنتاج الهيدروجين الأخضر. غير أن تقييم فعالية السياسة العقارية لا ينبغي أن يقتصر على حجم المساحات المخصصة أو قيمة الاستثمارات المعلنة، إذ تظل مؤشرات الإنجاز الفعلي وجودة المشاريع ومساهمتها في الاقتصاد الوطني أكثر أهمية في قياس النتائج.

كما يشكل عدد مناصب الشغل المحدثة فعلياً، ومدى اندماج المشاريع في النسيج الاقتصادي المحلي، وحجم القيمة المضافة المنتجة، معايير أساسية لتقييم الأثر الحقيقي للاستثمارات على التنمية الترابية.وفي هذا الإطار، تضطلع المراكز الجهوية للاستثمار بدور استراتيجي في مواكبة المستثمرين وتبسيط المساطر الإدارية وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، فضلاً عن ضمان انسجام المشاريع مع الأولويات الاقتصادية والتنموية للجهات.

ومن شأن استرجاع الأراضي التي لم يتم استغلالها بالشكل المطلوب أن يساهم أيضاً في تحسين ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة الصناعية إلى العقار، خصوصاً أن هذه الفئة تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بتكاليف التوطين الصناعي والتمويل وتوفير البنيات التحتية المناسبة. وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في ظل طموحات المغرب لتعزيز سيادته الصناعية وتوسيع قاعدته الإنتاجية واستقطاب استثمارات جديدة في القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة.

وبالنسبة إلى الاقتصاد المغربي، يتمثل الرهان الحقيقي خلال المرحلة المقبلة في تحويل الاحتياطات العقارية المتاحة إلى استثمارات تشغيلية ووحدات إنتاجية ومناصب شغل مستدامة، مع ضمان توزيع ترابي أكثر توازناً للفرص الاقتصادية. ويؤشر هذا التوجه على انتقال تدريجي من سياسة تقوم على التعبئة الكمية للأراضي إلى نموذج يرتكز على النجاعة الاقتصادية والمساءلة وتحقيق النتائج، بما يجعل العقار العمومي رافعة فعلية للاستثمار المنتج والتنمية المستدامة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

قد يعجبك ايضا