يواصل قطاع التوزيع التجاري الكبير بالمغرب تحولات هيكلية متسارعة، مدفوعاً بتطور أنماط الاستهلاك، واتساع الشبكات التجارية، وتزايد الحاجة إلى تحقيق وفورات الحجم وتحسين الكفاءة التشغيلية. ويندرج مشروع الاندماج بين «لابيل في» و«ريتيل هولدينغ» ضمن هذه الدينامية، من خلال إعادة تنظيم البنية القانونية والمالية لكيانين تربطهما علاقات رأسمالية واستراتيجية وثيقة. ومن المرتقب أن يعقد مساهمو «لابيل في» جمعاً عاماً استثنائياً يوم 20 نونبر 2026، بالمقر الإداري للشركة في الصخيرات، من أجل التداول بشأن مشروع ضم الشركة إلى «ريتيل هولدينغ»، وفق الشروط القانونية والمالية المحددة في وثائق العملية.
وتنص الصيغة المقترحة على منح ثمانية أسهم من «ريتيل هولدينغ» مقابل كل أحد عشر سهماً من «لابيل في» للمساهمين المعنيين. ومن المنتظر أن يدخل الاندماج حيز التنفيذ بالتزامن مع إدراج أسهم «ريتيل هولدينغ» في بورصة الدار البيضاء، شريطة استيفاء المتطلبات التنظيمية والحصول على موافقة المساهمين. وتهدف هذه العملية إلى تبسيط الهيكلة الرأسمالية وتجميع الأنشطة ضمن كيان مدرج في البورصة، يعتمد منظومة موحدة للحكامة والتدبير الاستراتيجي والمالي.
عملية مالية كبرى تعيد رسم الهيكلة الرأسمالية
وفق المعطيات الواردة في مشروع الاندماج، ستبلغ قيمة الزيادة في رأس المال المرتبطة بالعملية نحو 105,67 ملايين درهم، ليرتفع عدد الأسهم المكونة لرأسمال «ريتيل هولدينغ» من 1.168.395 سهماً إلى 2.225.131 سهماً، عبر إصدار 1.056.736 سهماً جديداً. وتُقدر القيمة الصافية للأصول المقدمة في إطار العملية بنحو 12,46 مليار درهم، مقابل أصول إجمالية تبلغ 24,20 مليار درهم وخصوم تصل إلى 11,73 مليار درهم، وهي أرقام تعكس الحجم المالي الكبير لإعادة الهيكلة المرتقبة. وسيترتب عن الاندماج زوال الشخصية الاعتبارية لشركة «لابيل في» باعتبارها كياناً قانونياً مستقلاً، دون المرور بمسطرة التصفية، إلى جانب شطب أسهمها من بورصة الدار البيضاء وفق الإجراءات المعمول بها.
وسيصبح المساهمون المعنيون مالكين لأسهم «ريتيل هولدينغ»، استناداً إلى نسبة المبادلة المعتمدة، بما يتيح لهم الاستمرار في الاستثمار ضمن الهيكل الرأسمالي الجديد. غير أن هذه العملية لا تعني بالضرورة تحقيق قيمة اقتصادية إضافية بصورة فورية، إذ ستظل المكاسب الفعلية مرتبطة بقدرة الكيان الجديد على تحقيق التكامل التشغيلي، وخفض التكاليف، وتحسين المردودية على المديين المتوسط والطويل.
اللوجستيك والتموين والتوسع التجاري في صلب الرهانات الاستراتيجية
تستند القدرة التنافسية في قطاع التوزيع التجاري الكبير إلى التحكم في تكاليف التموين، ونجاعة المنظومات اللوجستية، وجودة البنيات التحتية، والقدرة على الاستجابة السريعة للتحولات التي تعرفها حاجيات المستهلكين. ومن شأن اعتماد تنظيم أكثر تكاملاً أن يتيح تجميع بعض الوظائف الإدارية والمالية والتكنولوجية، وتحسين التنسيق بين الاستثمارات المرتبطة بمنصات التوزيع وأنظمة المعلومات وتدبير المخزون.
كما يمكن لهذه الهيكلة أن تدعم تحقيق وفورات تشغيلية، في سوق تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بالأسعار، والتوسع الجغرافي، وارتفاع متطلبات الجودة والخدمات المقدمة للمستهلكين. وتكتسي هذه التحولات أهمية خاصة بالنسبة إلى الموردين، ولا سيما المنتجين الفلاحيين والمقاولات المغربية العاملة في الصناعات الغذائية، إذ قد تؤثر إعادة التنظيم في شروط التفاوض التجاري وآليات التموين وتدبير سلاسل الإمداد.
وسيتمثل أحد التحديات الأساسية في تحقيق التوازن بين تعزيز الكفاءة الاقتصادية للمجموعة والحفاظ على علاقات تجارية متوازنة ومستدامة مع الموردين والشركاء المحليين. وقد تتيح إعادة الهيكلة أيضاً تسريع التوسع نحو المدن المتوسطة والمراكز الحضرية الصاعدة، التي تشهد تحولات في مستويات الدخل وأنماط الاستهلاك، بما يوفر فرصاً جديدة لتطوير شبكات التجارة العصرية. وعلى المستوى المالي، ستشكل معايير التقييم وآفاق الربحية وآليات الحكامة الجديدة عناصر أساسية في تقديرات المستثمرين والمتعاملين في بورصة الدار البيضاء.
وتعكس هذه العملية توجهاً متنامياً داخل الاقتصاد المغربي نحو بناء مجموعات اقتصادية أكثر تكاملاً من الناحيتين الرأسمالية والتنظيمية، بما يعزز قدرتها على تعبئة التمويلات وتنفيذ استراتيجيات استثمارية طويلة الأمد. وبالنسبة إلى «ريتيل هولدينغ»، لن يقتصر الرهان على إنجاح عملية الاندماج من الناحية القانونية والمالية، بل سيمتد إلى تحويل الهيكلة الجديدة إلى مصدر فعلي للقدرة التنافسية وتحسين الأداء التجاري.
وفي المحصلة، يمثل مشروع اندماج «لابيل في» و«ريتيل هولدينغ» محطة مهمة في إعادة تشكيل قطاع التوزيع العصري بالمغرب. وسيظل نجاحه مرهوناً بمدى قدرة المجموعة على تحويل التكامل الرأسمالي إلى مكاسب تشغيلية ملموسة، وتعزيز استثماراتها، وتحسين تنافسيتها، مع الحفاظ على توازن العلاقات مع الموردين والاستجابة لتطلعات المستهلك المغربي.


