أحدث المقالات

التعليمات القضائية للاستحقاقات الانتخابية: رسالة طمأنة أخرى للمناخ الاستثماري بالمغرب

في وقت تستعد فيه المقاولات الصناعية والمستثمرون لتتبع مآلات الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، أصدرت النيابة العامة تعليمات صارمة موجهة إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، تروم تأطير مواكبة القضاء لهذا الاستحقاق. وإذا كان مضمون هذه الدورية ذا طابع قضائي وأمني بالأساس، فإن دلالاتها تتجاوز البعد الانتخابي الصرف لتلامس مباشرة أحد أهم معايير الثقة التي يرصدها المستثمرون والصناعيون: استقرار المؤسسات وسيادة القانون.

نص واضح، وتوقيت دال

حملت الدورية رقم 5507 الصادرة بتاريخ 28 غشت 2026 عنوانا صريحا: “التعبئة للاستحقاقات الانتخابية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب”. وقد ذكّرت بأن الفصل 11 من دستور المملكة يعتبر الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة أساسا لمشروعية التمثيل الديمقراطي، قبل أن تسرد سلسلة من التدابير العملية المطلوب من النيابات العامة تفعيلها خلال الأسابيع المقبلة.

وتشمل هذه التدابير التصدي بحزم لكل ممارسة قد تمس بسلامة العملية الانتخابية، والإسراع في معالجة الشكايات الانتخابية، وتفعيل المقتضيات الزجرية ذات الصلة، إلى جانب تأمين مداومة قضائية طيلة فترة الاستحقاق، وتنسيق العمل بين الخلايا الجهوية والمحلية المحدثة على مستوى محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية، وكذا مع الخلية المركزية وفرق الأمن المكلفة بمواكبة قضايا الانتخابات.

لماذا يهم هذا الملف الفاعل الصناعي؟

قد يبدو هذا النوع من المراسلات الإدارية بعيدا عن اهتمامات القارئ الصناعي المعتاد على مؤشرات الإنتاج والاستثمار والصادرات. غير أن قراءة أعمق تكشف عن ارتباط مباشر بين هذا النوع من التعبئة المؤسساتية ومناخ الأعمال بشكل عام. فالاستقرار السياسي، وضمان مسار انتخابي شفاف ومحصن من النزاعات، يشكلان أحد المحددات الأساسية التي تعتمدها وكالات التصنيف ومؤسسات التمويل الدولية، وكذا المستثمرون الأجانب، عند تقييم “المخاطر السيادية” لأي بلد.

وفي سياق يستعد فيه المغرب لاستقبال استثمارات صناعية كبرى في قطاعات استراتيجية كالسيارات والطيران والبطاريات الكهربائية، فإن كل إشارة تؤكد جاهزية المؤسسات الوطنية – بما فيها القضاء – لضمان مسار انتخابي نزيه ومؤمَّن، تصب في اتجاه تعزيز صورة المغرب كوجهة استثمارية مستقرة، تتوفر فيها ضمانات مؤسساتية صلبة تحمي الاستمرارية الاقتصادية بمعزل عن التقلبات السياسية الظرفية.

سيادة القانون، عنصر تنافسية غير معلن

يدرك الفاعلون الاقتصاديون جيدا أن جاذبية أي وجهة صناعية لا تُقاس فقط بالتحفيزات الضريبية أو تكلفة اليد العاملة، بل أيضا بمتانة المنظومة القانونية والقضائية الضامنة لاستمرارية العقود والاستثمارات. ومن هذا المنطلق، فإن تعبئة النيابة العامة، عبر آليات تنسيق واضحة بين مختلف الفاعلين الأمنيين والقضائيين، تُقرأ أيضا كرسالة طمأنة ضمنية إلى المجتمع الاقتصادي، مفادها أن المسار الانتخابي، مهما كانت رهاناته السياسية، سيبقى محاطا بضمانات قانونية صارمة تحول دون أي اهتزاز قد ينعكس سلبا على الثقة العامة، وبالتالي على القرارات الاستثمارية.

تبقى هذه الدورية، في جوهرها، وثيقة تقنية موجهة لهيئة قضائية محددة. غير أن سياق صدورها – على بعد أقل من أربعة أسابيع من موعد انتخابي مفصلي، وفي خضم دينامية صناعية واستثمارية غير مسبوقة يعرفها المغرب – يمنحها بعدا يتجاوز حدود العدالة الجنائية، ليضعها في صلب النقاش حول الشروط المؤسساتية الضرورية لاستدامة الثقة الاقتصادية التي يحرص المغرب على ترسيخها لدى شركائه والمستثمرين الدوليين.

قد يعجبك ايضا