أحدث المقالات

الصناعة المغربية بين التوطيد الحذر والاستثمارات الهيكلية الجديدة

يمر القطاع الصناعي المغربي بمرحلة متباينة الملامح: إنتاج صناعي تحويلي ما زال متعثرا في بداية هذه السنة، لكن في المقابل تدفق مستمر للاستثمارات الدولية الجديدة يؤكد جاذبية المملكة، خاصة في قطاعي صناعة السيارات والطيران.

مناخ أعمال “عادي” لكن مخاوف بشأن التشغيل

أظهرت دراسة الظرفية الصادرة عن بنك المغرب أن 71 بالمائة من رؤساء المقاولات الصناعية يعتبرون مناخ الأعمال “عاديا” خلال الفصل الثاني من سنة 2026، فيما تبقى ضعف الطلب وارتفاع تكلفة المدخلات والمنافسة أبرز العوائق أمام الإنتاج الصناعي. ويظل المؤشر الأكثر إثارة للقلق هو أن الصناعيين باتوا يتوقعون تراجعا عاما في أعداد العاملين خلال الفصل الثالث، رغم استمرار الاستثمار في التقدم.

وتؤكد هذه المعطيات أن بداية سنة 2026 اتسمت بنوع من الركود. فحسب المندوبية السامية للتخطيط، سجل مؤشر إنتاج الصناعات التحويلية، باستثناء تكرير النفط، تراجعا بنسبة 1.4 بالمائة خلال الفصل الأول من سنة 2026 مقارنة بنفس الفترة من السنة السابقة، وهو تراجع يخفي وراءه مسارات قطاعية متباينة بشكل كبير. إذ سجلت صناعة التجهيزات الكهربائية أحد أبرز الانكماشات بتراجع بلغ 11.3 بالمائة، في حين ارتفع إنتاج المعادن قليلا بنسبة 0.7 بالمائة، وحققت قطاعات صناعة السيارات والصيدلة والصناعات عالية التكنولوجيا أداء إيجابيا.

أما معدل استعمال الطاقة الإنتاجية فبقي مستقرا في حدود 77 بالمائة، وهو مستوى يعكس نشاطا صناعيا في “وضعية توقف تقني”، مع سجلات طلبيات توصف بأنها “عادية” بشكل عام، دون أي مؤشر واضح على الانتعاش. وتبرز صناعة الميكانيك والميتالورجيا بدينامية أكثر وضوحا، إذ يصل معدل استعمال طاقتها الإنتاجية إلى 87 بالمائة، مع إنتاج في ارتفاع وسجلات طلبيات جيدة الملء.

صناعة السيارات تتجاوز عتبة رمزية جديدة

يواصل قطاع صناعة السيارات، الذي يشكل قاطرة الصناعة الوطنية، تسجيل إعلانات متتالية. إذ باتت المملكة تتوفر اليوم على طاقة إنتاجية سنوية تفوق مليون سيارة، بفضل الإمكانات الصناعية الكبيرة التي طورتها مجموعتا “رونو” و”ستيلانتيس”.

وتعززت هذه الدينامية في نهاية غشت مع إعلان المجموعة الأمريكية “جينتكس” (Gentex Corporation)، المتخصصة في المرايا العاكسة ذاتية التعتيم والوحدات الإلكترونية المدمجة، عن اعتزامها فتح مصنع بالمغرب سنة 2028 لتزويد صانعي السيارات الأوروبيين. وقد تم توقيع رسالة نوايا مع السلطات المغربية، كما تم تحديد موقع الإنشاء، رغم أن المدينة المستقبلة للمشروع وحجم الاستثمار وعدد مناصب الشغل التي سيخلقها لم يتم الكشف عنها بعد. ويُعد هذا المشروع أول استثمار للمجموعة الأمريكية، التي يقع مقرها بولاية ميشيغن، في القارة الإفريقية.

ويأتي هذا الإعلان بعد أسابيع قليلة من تدشين المصنع الجديد للمجموعة الألمانية “بنتلر” (BENTELER) بمدينة القنيطرة، والذي سينتج المصدات الأمامية والخلفية ومحاور التعليق الملتوية وقضبان الصدم وأذرع التعليق لفائدة أحد كبار صانعي السيارات الدوليين، وهو مشروع خلق أزيد من 300 منصب شغل. وقد أشاد وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، بهذا الاستثمار باعتباره تجسيدا للثقة الممنوحة للمغرب كمنصة صناعية.

وفي إشارة أخرى قوية على جاذبية المملكة لدى المُجهزين الآسيويين، تعتزم المجموعة الصينية “إيه بي جي” (APG)، المتخصصة في أنظمة الفرملة، فتح أول مصنع لها خارج الصين، بمنطقة طنجة تيك، قبل نهاية سنة 2026، باستثمار يبلغ 70 مليون دولار.

قطاع الطيران يؤكد ارتقاءه في سلم القيمة

يواصل قطاع صناعة الطيران بدوره تعزيز بنيته. ففي منطقة النواصر، تستعد المجموعة الألمانية “ماستيرفلكس” (Masterflex)، عبر فرعها “ماستردكت موروكو”، لإطلاق إنتاجها. وأوضح المدير المالي للمجموعة، مارك بيكس، أن المغرب قد يصبح “الورشة الممتدة لأوروبا” بالنسبة للمجموعة. ويقع الموقع، الممتد على مساحة 4000 متر مربع بمنطقة “ميدبارك”، وسينتج أنابيب تقنية، وأكياسا هوائية (soufflets)، وقطعا مصبوبة، بالإضافة إلى أنظمة ربط من المطاط الاصطناعي عالي الأداء، مع دخول الإنتاج حيز التنفيذ خلال الفصل الرابع من سنة 2026 وأولى عمليات التسليم قبل نهاية السنة.

اعتراف يتجاوز حدود المملكة

وبمعزل عن الأرقام، يكتسب النموذج الصناعي المغربي إشعاعا يتجاوز حدود المملكة على المستوى القاري، إذ أفادت مفوضة الاتحاد الإفريقي بأنها تلقت تطمينات بشأن التزام المملكة بمواكبة تنزيل خطة التسريع الصناعي للاتحاد الإفريقي، خصوصا عبر تقاسم الخبرة المغربية والدراية المتراكمة في عدة فروع صناعية.

قد يعجبك ايضا