أحدث المقالات

الاقتصاد المغربي: دخول اجتماعي بنكهة الثقة المستعادة

 في عتبة دخول سياسي تطبعه الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر، تبعث المؤشرات الاقتصادية الصادرة خلال الأيام الأخيرة برسالة مطمئنة: القروض الموجهة للمقاولات الخاصة تستعيد عافيتها، والكتلة النقدية تواصل نموها بوتيرة قوية، فيما يثبت قطاع النسيج، بالأرقام، أنه لا يزال ركيزة موثوقة للصادرات الوطنية. ثلاث إشارات، وثلاث قراءات مختلفة، لكنها تفضي إلى استنتاج واحد: الاقتصاد الحقيقي المغربي يواصل تقدمه، حتى في ظل سياق أوروبي أقل انفتاحا.

القطاع الخاص يستعيد دوره كمحرك للقروض

تُعد هذه المعطى، دون شك، الأبرز في هذه الفترة من الصيف: أكد بنك المغرب، في نشرته الشهرية الأخيرة، انتعاشا واضحا في التمويل البنكي لفائدة المقاولات الخاصة. ففي شهر يوليوز، بلغت الوتيرة السنوية لنمو القروض الموجهة للقطاع غير المالي 10.1 بالمائة، مقابل 9.8 بالمائة الشهر السابق – وهي زيادة قد تبدو طفيفة في ظاهرها، لكنها تخفي تحولا أعمق في بنية التمويل.

فالحركة الحقيقية تجري على مستوى الشركات الخاصة، التي انتقلت وتيرة نمو القروض الموجهة إليها من 8.1 بالمائة إلى 11 بالمائة خلال شهر واحد فقط. وفي المقابل، تشهد المؤسسات العمومية، التي كانت هي المحرك الرئيسي لدينامية القروض خلال الأشهر الأخيرة، تراجعا في وتيرتها من 15.9 بالمائة إلى 3.1 بالمائة فقط. بعبارة أخرى، وبعد فترة كانت فيها الدولة ومؤسساتها هي التي تقود الطلب على التمويل بشكل كبير، بات النسيج الإنتاجي الخاص هو من يستعيد زمام المبادرة اليوم – وهي إشارة تُفسَّر عموما كمؤشر على ثقة متجددة لدى المقاولين في آفاق نشاطهم.

وبالتفصيل، فإن احتياجات الخزينة هي التي تشهد التقدم الأكبر، حيث ارتفعت التسهيلات الممنوحة للمقاولات الخاصة بنسبة 11.3 بالمائة، في حين ظلت قروض التجهيز، رغم تباطؤ طفيف، في وتيرة مرتفعة بلغت 25.7 بالمائة على أساس سنوي. أما قروض الأسر، فتتطور بوتيرة أكثر اعتدالا واستقرارا، في حدود 4 بالمائة سواء بالنسبة للعقار أو الاستهلاك – وهو ما يعكس طلبا داخليا متينا لكن دون تسارع مفرط.

والملاحظة الوحيدة المثيرة للانتباه في هذه الصورة هي أن الديون المتعثرة تتقدم بوتيرة أسرع قليلا مقارنة بالشهر السابق، بنسبة 3.1 بالمائة مقابل 1.9 بالمائة في يونيو، وإن كان وزنها ضمن مجموع القروض البنكية قد ظل مستقرا في حدود 8 بالمائة. وهي نقطة من المرجح أن يواصل البنك المركزي متابعتها عن كثب خلال الأشهر المقبلة.

كتلة نقدية لا تزال وفيرة

هذا التحول في الإقبال على القروض ينعكس بشكل منطقي على حجم النقد المتداول في الاقتصاد. فقد استقر المجمع النقدي M3، الذي يقيس الكتلة النقدية الإجمالية، عند أزيد من 2.195 مليار درهم في يوليوز، بارتفاع بلغ 11.2 بالمائة على أساس سنوي – وهي وتيرة أقل قليلا مقارنة بنسبة 11.7 بالمائة المسجلة في يونيو، لكنها تبقى مع ذلك من بين أعلى الوتيرات المسجلة خلال السنوات الأخيرة.

ويأتي عنصران لينسبا هذه الصورة. من جهة، تواصل الاحتياطيات الرسمية من الصرف تصاعدها، بارتفاع بلغ 22.7 بالمائة على أساس سنوي، ما يعزز الوضعية الخارجية للمملكة في وقت تشهد فيه عدة اقتصادات ناشئة تآكلا في احتياطياتها. ومن جهة أخرى، فإن التداول النقدي الورقي – أي الأوراق والقطع النقدية المستعملة فعليا من طرف الأسر والتجار – ينمو بوتيرة أبطأ قليلا مقارنة بالشهر السابق، وهو ما يفسر جزءا كبيرا من التباطؤ الطفيف في نمو المجمع M3.

صناعة النسيج المغربية تحافظ على مكانتها في أوروبا

على الصعيد التجاري، يُقدّم قطاع النسيج أفضل خبر لهذه الفترة. ففي الوقت الذي يمر فيه الطلب الأوروبي على الألبسة بمرحلة تباطؤ عام، تمكنت الصادرات المغربية نحو الاتحاد الأوروبي، رغم كل شيء، من تجاوز عتبة المليار أورو الرمزية خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة، لتبلغ بالضبط 1.052 مليار أورو، بارتفاع بلغ 3.3 بالمائة على أساس سنوي.

وتستحق هذه النتيجة أن تُوضع في سياقها: ففي سوق أوروبية تشهد تراجعا عاما، حيث يسجل معظم الموردين التقليديين تراجعا في أحجام صادراتهم، ينجح المغرب ليس فقط في الحفاظ على مبيعاته، بل في تحقيق نمو فيها. وهكذا تحافظ المملكة على مرتبتها الثامنة ضمن موردي الاتحاد الأوروبي، بأزيد من 40.000 طن من منتجات النسيج والألبسة تم تصديرها خلال هذه الفترة – وهي وتيرة إذا استمرت، ستضع سنة 2026 في امتداد الأداء الجيد الذي حققته سنتا 2024 و2025، حين تجاوزت الصادرات على التوالي 2.5 مليار ثم 2.8 مليار أورو.

غير أن القطاع لا يفلت من ضغط بنيوي على حصته السوقية، التي تراجعت بشكل طفيف من 2.8 بالمائة سنة 2024 إلى 2.7 بالمائة حاليا، بسبب منافسة دولية لا تزال قوية وهوامش ضيقة على مستوى التزود بالمواد الأولية. وهو ما يذكّر الفاعلين في القطاع بأن القرب الجغرافي من أوروبا وجودة التصنيع، رغم كونهما ميزتين حاسمتين، لم يعودا كافيين وحدهما: فتنويع الأسواق والارتقاء بالجودة يبقيان أفضل ضمانتين لمواجهة سوق أوروبية يُتوقع أن تظل غير مستقرة خلال الأشهر المقبلة.

ثلاث إشارات، ومسار واحد

قد تبدو هذه المؤشرات الثلاثة، إذا نُظر إليها منفردة، تقنية بحتة. لكنها مجتمعة، ترسم قصة متماسكة: قصة اقتصاد مغربي يواصل تمويل نسيجه الإنتاجي، والحفاظ على توازناته النقدية الكبرى، والدفاع عن مواقعه التصديرية، حتى في ظل ظروف دولية غير مواتية. وعلى بعد ثلاثة أسابيع من استحقاق تشريعي ستُراقَب فيه الحصيلة الاقتصادية عن كثب، تمنح هذه الأرقام الحكومة الحالية حجة مبنية على معطيات ملموسة – وإن كانت اليقظة لا تزال مطلوبة بخصوص جودة القروض وتطور الحصص التصديرية.

قد يعجبك ايضا