أحدث المقالات

الحماية الاجتماعية بالمغرب: كيف تخطط وكالة الدعم الاجتماعي لتحويل “التعويضات المالية” إلى رافعة للتمكين الاقتصادي؟

الانتقال من منطق “شبكات الأمان” إلى أفق “الاستقلالية والتمكين”؛ هذا هو الرهان الاستراتيجي الكبير الذي تدشنه الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي (ANSS) في مرحلة عملها المقبلة. فبعد النجاح في إرساء القواعد الرقمية والمؤسساتية لبرنامج الدعم الاجتماعي المباشر (ASD)، تتجه المملكة اليوم نحو تفعيل جيل جديد من آليات المواكبة الميدانية، الرامية إلى انتشال الأسر المستهدفة من الهشاشة نحو الإدماج المنتج كخيار استراتيجي مستدام.

وتأتي هذه المقاربة انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية لبرامج التنمية المجالية المندمجة، حيث تسعى الوكالة إلى جعل التحويلات المالية فرصة لبناء مسارات حياة جديدة تكسر دائرة الفقر العابر للأجيال.

أربع محطات رئيسية لصياغة مسارات إدماج شخصية

لتجاوز محدودية التدبير الرقمي الصرف ولضمان قراءة أدق للواقع الاجتماعي، تتبنى الوكالة منظومة مواكبة ميدانية تتسم بـ”الأنسنة”، وتنبثق من خلال التمثيليات الترابية. وتمر عملية مواكبة المستفيدين عبر أربع محطات أساسية:

  1. تحديد الخصائص السوسيو-اقتصادية: تشخيص متعدد الأبعاد لرصد مؤهلات المستفيدين والإكراهات التي قد تعيق اندماجهم.

  2. تحليل الإمكانات والفرص الترابية: ربط مؤهلات المستفيدين بالديناميات الاقتصادية المحلية المتوفرة في محيطهم الجغرافي.

  3. البناء المشترك لمسار المواكبة: صياغة برنامج عمل منسجم وواضح بتنسيق مباشر بين “المواكب الاجتماعي” والمستفيد، لتحديد أهداف ملموسة (شغل، تكوين، تميز دراسي).

  4. التتبع والاستمرارية: وضع بروتوكول تتبع دقيق يضمن مواكبة المستفيد حتى بعد تحقيقه للاندماج الفعلي.

إقليم الجديدة.. منصة الانطلاق والمختبر الترابي الأول

وفي إطار مقاربة تجريبية قبل التعميم الوطني، وقع الاختيار على إقليم الجديدة كمنصة أولى ومختبر ترابي نموذجي لتنزيل هذه التدابير. وستشهد التمثيلية الترابية للإقليم تفعيل برنامج الدعم التكميلي للتحويلات المالية، واختبار مدى تلاؤم الدعم مع الحاجيات الفعلية للساكنة المحلية.

جدير بالذكر أن اختيار مواقع التمثيليات الترابية المستقبلية لا يتم بشكل عشوائي، بل يستند إلى مؤشر مركب وإطار تحليلي محكم يدرس: نسب تغطية الدعم الاجتماعي، ظروف العيش، والخصوصيات الجغرافية، إلى جانب مؤشرات التعليم والصحة والشغل بكل منطقة.

التقائية الفاعلين: جبهة موحدة لمواجهة الهشاشة

تدرك الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي أن النجاح في رهان التمكين يتطلب تضافر جهود الجميع؛ لذلك تأسست هذه المنظومة على اتفاقيات شراكة استراتيجية تجمع قطاعات حكومية ومؤسسات وطنية كبرى.

وتتحرك في هذا الإطار جبهة موحدة تضم قطاعات التربية الوطنية، الصحة، والتشغيل، بالإضافة إلى السلطات المحلية، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH)، والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (ANAPEC)، ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل (OFPPT)، والتعاون الوطني. وتتدخل كل مؤسسة حسب اختصاصها لضمان تحسين قابلية تشغيل الآباء، وضمان التميز الدراسي للأبناء، وتأمين الولوج للخدمات الصحية الأساسية.

الذكاء الجغرافي (SIG): تكنولوجيا لخدمة القرار التنموي

ولتحقيق كفاءة عالية في التنزيل، تسلحت الوكالة منذ سنة 2025 بـنظام المعلومات الجغرافي (SIG)، الذي يشكل عصب الذكاء الترابي للمؤسسة. ويسمح هذا النظام السيادي، عبر تقاطع البيانات السوسيو-اقتصادية والجيو-فضائية، بتقديم مؤشرات دقيقة تدعم صناعة القرار العمومي.

ويهدف النظام على المدى المتوسط إلى مواءمة “الالتزامات المشروطة” للمستفيدين مع واقع العرض التنموي المحلي؛ حيث سيمكن من التحقق علمياً مما إذا كانت البنيات التحتية المحلية (من مدارس ومراكز صحية) قادرة على استيعاب الطلب الإضافي الناجم عن شروط الدعم، وهو المشروع التقني الذي يدخل حيز التجريب الفعلي والعملي هذا العام (2026) بدءاً من إقليم الجديدة.

قد يعجبك ايضا