يتزامن الاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد مع مواصلة المملكة المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مسارها الإصلاحي الذي جعل من التنمية البشرية خيارًا استراتيجيًا، ومن بناء الإنسان محورًا للسياسات العمومية. وفي صلب هذا التوجه، حظيت المرأة المغربية بمكانة خاصة باعتبارها شريكًا رئيسيًا في التنمية، فيما ظلت الأسرة تحظى بعناية ملكية متواصلة بوصفها النواة الأساسية للمجتمع وأحد ركائز استقراره وتماسكه.
ومنذ اعتلاء جلالة الملك العرش، شهدت المملكة سلسلة من الإصلاحات الهيكلية التي أعادت صياغة الإطار القانوني والمؤسساتي المتعلق بحقوق المرأة، ورسخت مقاربة تقوم على الإنصاف وتكافؤ الفرص، مع الحرص على تحقيق التوازن بين متطلبات التطور المجتمعي والثوابت الدستورية والهوية الوطنية.
وشكلت مدونة الأسرة، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 2004، نقطة تحول بارزة في هذا المسار، بعدما أعادت تنظيم العلاقات الأسرية وفق رؤية أكثر إنصافًا، وعززت حماية المرأة والطفل، وأقرت مبدأ المسؤولية المشتركة بين الزوجين في تدبير شؤون الأسرة، بما ساهم في إرساء أسس أكثر توازنًا داخل المؤسسة الأسرية.
وتعزز هذا المسار مع دستور سنة 2011، الذي رسخ مبدأ المساواة بين النساء والرجال في الحقوق والحريات، واعتبر المناصفة هدفًا دستوريا تعمل الدولة على تحقيقه، كما أرسى آليات مؤسساتية جديدة لتطوير منظومة حقوق الإنسان وتعزيز مشاركة النساء في مختلف مجالات الحياة العامة.
ولم تظل هذه المبادئ مجرد مقتضيات دستورية، بل ترجمت إلى إصلاحات تشريعية ومؤسساتية ملموسة، من أبرزها إصدار القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الذي وفر إطارًا قانونيًا أكثر صرامة للتصدي لمختلف أشكال العنف، إلى جانب تعزيز آليات حماية الضحايا والتكفل بهن.
كما شهدت السنوات الماضية توسعًا تدريجيًا في حضور المرأة داخل مؤسسات الدولة وسوق الشغل، سواء من خلال تمكينها من نقل جنسيتها إلى أبنائها، أو فتح المجال أمامها لولوج مهن كانت حكرًا على الرجال، مثل خطة العدالة، فضلاً عن ارتفاع تمثيليتها داخل المؤسسات المنتخبة والهيئات الدستورية والسلطة القضائية، نتيجة الإصلاحات المتواصلة التي عرفها النظام الانتخابي ومنظومة الحكامة.
وتعكس هذه المكتسبات قناعة راسخة بأن تحقيق التنمية الشاملة يظل رهينًا بإشراك النساء في مختلف مستويات اتخاذ القرار، باعتبارهن فاعلات أساسيات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط مستفيدات من نتائجها.
ورغم أهمية ما تحقق، فإن مسار تمكين المرأة بالمغرب لا يزال يشكل ورشًا متجددًا، إذ إن الإصلاحات الكبرى تقتضي مواصلة تطوير المنظومة القانونية والمؤسساتية بما يواكب التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي. وفي هذا السياق، يندرج الورش الملكي الخاص بمراجعة مدونة الأسرة باعتباره مرحلة جديدة تروم تعزيز العدالة داخل الأسرة، وترسيخ التوازن بين الحقوق والواجبات، مع الحفاظ على المرجعية الدستورية والثوابت الدينية والوطنية للمملكة.
وتبقى المرحلة المقبلة مطالبة بالانتقال من مرحلة تكريس الحقوق في النصوص إلى ضمان ممارستها الفعلية، ومن تعزيز الحضور الكمي للمرأة إلى ترسيخ حضورها النوعي في مواقع المسؤولية وصنع القرار، بما يجعل المناصفة خيارًا تنمويًا يترجم على أرض الواقع.
ويشكل عيد العرش مناسبة لاستحضار حصيلة سبعة وعشرين عامًا من الإصلاحات التي أعادت رسم ملامح التنمية بالمغرب، وفي مقدمتها الإصلاحات المرتبطة بقضايا المرأة والأسرة. فقد أصبحت المرأة المغربية اليوم شريكًا كاملًا في مسيرة البناء والتحديث، وعنصرًا فاعلًا في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، بما يعكس التحول الذي شهدته المملكة خلال العقود الأخيرة.
ومع استمرار الأوراش الإصلاحية الكبرى، وفي مقدمتها مراجعة مدونة الأسرة، يتجدد الرهان على بناء منظومة قانونية ومجتمعية أكثر عدالة وإنصافًا، تصون كرامة المرأة والرجل معًا، وتحفظ المصلحة الفضلى للأطفال، وتدعم استقرار الأسرة المغربية باعتبارها حجر الأساس في مشروع تنموي يضع الإنسان في قلب أولوياته، ويواصل تعزيز العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والمشاركة المتوازنة للنساء والرجال في صناعة مستقبل المملكة.



