بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربعه على العرش، ألقى الملك محمد السادس خطابا حافلا بالمؤشرات والتوجهات الاستراتيجية: نمو يقترب من 5%، سيادة صناعية مؤكدة، هيدروجين أخضر في طور التفعيل، ونداء ملح موجه للقطاع المالي الوطني. إليكم أبرز ما جاء فيه.
أهم ما يجب تذكره
- نمو بلغ حوالي 4,9% سنة 2025، مع توقعات ببلوغ نفس المعدل أو تجاوزه سنة 2026
- المغرب أصبح أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا
- صادرات السيارات والطيران تفوق 40% من إجمالي الصادرات، متقدمة على الفوسفاط
- الصناعات الغذائية والدوائية تغطي اليوم ما يقارب 80% من الحاجيات الوطنية
- دخول «عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر» حيز التفعيل الفعلي
- نداء مباشر للقطاع المالي لتوسيع تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة والابتكار والتصدير
- استقبال ما يقارب 20 مليون سائح سنة 2025، رقم قياسي تاريخي
إطار ماكرو اقتصادي يجعل من الثقة متغيرا استراتيجيا
يندرج خطاب العرش ليوم 29 يوليوز ضمن محطة أصبحت تقليدية – حصيلة سبع وعشرين سنة من الحكم – غير أن مضمونه الاقتصادي يتجاوز بكثير الطابع الاحتفالي. فمن بين سطوره، يبرز تشخيص دقيق للتنافسية الترابية، يتمحور حول رقم مركزي: نمو «بلغ حوالي 4,9% سنة 2025»، مع توقعات ببلوغ نفس المعدل أو تجاوزه سنة 2026.
وفي محيط جهوي تطبعه الاضطرابات، جعل الملك من الاستقرار المؤسساتي في حد ذاته أصلا اقتصاديا، معتبرا أن «الاستقرار السياسي والمؤسسي يشكل عملة نادرة، لا تقدر بأي ثمن»، ورأسمالا استراتيجيا نادرا ما تتوفر عليه دول منافسة بنفس الدرجة – حجة أصبحت اليوم لا تقل وزنا عن الحوافز الضريبية في قرارات التوطين الصناعي.
السيادة الصناعية: حين يغيّر «صنع في المغرب» من حجمه
المحور الأول القوي في الخطاب يتعلق بترسيخ فروع أصبحت هيكلية. فقطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية أصبحت اليوم «ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني»، سواء من حيث جلب الاستثمارات الأجنبية أو خلق فرص الشغل.
أصبح المغرب أول مصدر للسيارات في القارة الإفريقية، بقدرة إنتاجية سنوية تقارب مليون سيارة. وتتجاوز صادرات قطاعي السيارات والطيران اليوم 40% من إجمالي الصادرات الوطنية، متقدمة بذلك، ولأول مرة بشكل واضح، على الفوسفاط.
ويشير الخطاب إلى ارتقاء فعلي في القيمة المضافة: مصانع جديدة لمحركات وأنظمة هبوط الطائرات، قطاع مندمج للبطاريات الكهربائية، تغطية 80% من الحاجيات الوطنية في الصناعات الغذائية والدوائية، وورش جديد يتعلق بالصناعات الدفاعية والأمن السيبراني.
الطاقة والموارد: التنافسية عبر التخلص من الكربون
المحور الثاني يتعلق بالمعادلة الطاقية والمائية، بوصفها شرطا مسبقا للمسار الصناعي. فالمشاريع الكبرى للطاقات المتجددة توضع كرافعة مزدوجة: تأمين التزود الطاقي الوطني، وجذب الصناعات الباحثة عن طاقة تنافسية وخالية من الكربون – معطى أصبح محوريا بالنسبة للفروع المصدرة نحو الاتحاد الأوروبي.
ويؤكد الخطاب دخول «عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر» حيز التفعيل الفعلي، عبر الترخيص لمجموعة أولى من المشاريع الكبرى. وعلى المستوى المائي، ساهم موسم فلاحي جيد في تعزيز الأمن المائي والغذائي – تذكيرا بأن متانة الصناعة المغربية ترتبط عضويا بتدبير الموارد المائية.
الاستثمار ومناخ الأعمال: القطاع المالي مطالب بالتحول
المحور الثالث، الأكثر قابلية للتفعيل المباشر بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين، يتعلق بتمويل هذا التحول. فقد دعا الملك القطاع المالي الوطني إلى «مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى» وإحداث «نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات، البنكية وغير البنكية، الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وللابتكار والتصنيع والتصدير».
والرسالة هنا دعوة صريحة لتعبئة الادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية. وبالموازاة، سجل القطاع السياحي إنجازا تاريخيا باستقبال ما يقارب 20 مليون سائح سنة 2025، وهو ما يعزز مكانة المملكة كقطب للاستثمار السياحي والصناعي والمالي.
المغرب، منصة التقاء بين ثلاثة فضاءات اقتصادية
في عمق هذا الخطاب، يتضح موقع جيو-اقتصادي في طور التبلور: مغرب قادر على التحاور «بكل ثقة ووضوح» مع مجمل شركائه. فتنويع التحالفات الاقتصادية للمملكة – بين إفريقيا والعالم العربي وأوروبا – أصبح نموذجا اقتصاديا قائما بذاته.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، يرسم الخطاب الملكي مسارا يتجاوز الأجندة السياسية: تحصين المكتسبات وتحويل الاستقرار المؤسساتي إلى ميزة تنافسية دائمة. فالعقد المقبل لن يُقاس فقط بالقدرة على الجذب، بل بالقدرة على ترسيخ القيمة المضافة فوق التراب المغربي.



