دخلت أسعار المحروقات بالمغرب مرحلة تعديل جديدة مع بداية شهر شتنبر، إذ ارتفع سعر لتر الغازوال بـ6 سنتيمات ابتداء من اليوم الثلاثاء، ليصل إلى نحو 15.01 درهم، مقابل 14.95 درهم في التسعيرة السابقة، في حين استقر سعر البنزين الممتاز دون تغيير عند حوالي 14.94 درهم للتر، وفق معطيات فيدرالية المحطاتيين التي نقلتها هسبريس. ورغم الطابع الطفيف لهذه الزيادة على مستوى المستهلك الفردي، فإن اختيار الغازوال تحديدا كمحور للتعديل يحمل دلالات مباشرة على تكلفة النقل والإنتاج الصناعي.
زيادة محدودة، لكنها تكسر سلسلة من التراجعات
تأتي هذه الزيادة بعد أقل من أسبوعين على المراجعة التي شهدتها أسعار المحروقات منتصف غشت، والتي أسفرت حينها عن زيادة أكبر في سعر الغازوال بلغت 65 سنتيما للتر، مقابل خفض سعر البنزين بـ30 سنتيما. وبحسب ما أوردته وكالة رويترز، فإن هذا الارتفاع الطفيف الجديد وضع حدا لسلسلة من ثلاث جلسات متتالية من الانخفاض كانت قد سجلتها أسعار الغازوال بالأسواق الدولية.
أما البنزين، فقد سلك مسارا مغايرا تماما خلال الأسابيع الأخيرة: ارتفع بنحو 40 سنتيما منتصف يوليوز، ثم بدرهم واحد كامل مطلع غشت، قبل أن يتراجع بـ30 سنتيما في المراجعة الأخيرة، ليستقر سعره مع بداية شتنبر. هذا التباين بين مسار الوقودين يعكس حساسية مختلفة لكل منهما تجاه تقلبات السوق الدولية، وكذا هوامش شركات التوزيع.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأسعار تبقى استرشادية، إذ يمكن أن تختلف بشكل طفيف بين المدن ومحطات التوزيع، تبعا لتكاليف النقل والتخزين وهوامش الفاعلين المحليين.
لماذا يهم الغازوال الفاعل الصناعي أكثر من البنزين؟
من زاوية اقتصادية-صناعية، يكتسي الغازوال أهمية استراتيجية تفوق بكثير أهمية البنزين، باعتباره الوقود الأساسي لقطاعي النقل الطرقي للبضائع والآليات الصناعية الثقيلة. فعلى عكس البنزين، الذي يستهم المستهلك الفردي بشكل مباشر عبر السيارات السياحية، يشكل الغازوال المدخل الأساسي لتكاليف الإنتاج والتوزيع بالنسبة لقطاعات صناعية حيوية:
- النقل الطرقي للبضائع، الذي يعتمد بشكل شبه كلي على الغازوال لتموين المصانع بالمواد الأولية وتوزيع المنتجات النهائية نحو الموانئ والأسواق؛
- قطاع البناء والأشغال العمومية، حيث تعمل الآليات الثقيلة والشاحنات بالغازوال؛
- الفلاحة والصناعات الغذائية، التي تعتمد على الجرارات والمعدات الفلاحية العاملة بهذا الوقود؛
- الصناعة التحويلية بشكل عام، من خلال كلفة نقل المدخلات والمنتجات ضمن سلاسل التوريد.
وبالتالي، فإن أي ارتفاع، ولو محدودا، في سعر الغازوال ينعكس بشكل تراكمي على هيكل تكاليف النقل واللوجستيك، وهو ما قد يترجَم لاحقا في تضخم طفيف على مستوى أسعار المنتجات الصناعية والاستهلاكية، خصوصا في القطاعات التي تشهد بالفعل هوامش ربح ضيقة، كما أشارت إليه دراسات الظرفية الأخيرة الصادرة عن بنك المغرب.
سياق دولي متقلب يفرض حذرا في القراءة
يأتي هذا التعديل في وقت تشهد فيه أسواق النفط العالمية تقلبات متواصلة، متأثرة بتطورات جيوسياسية واقتصادية مرتبطة بالتوترات في منطقة الشرق الأوسط ومستقبل الملاحة عبر مضيق هرمز. ورغم تراجع أسعار النفط خلال جزء مهم من الأسبوع الماضي، فإن انعكاس هذه التحركات على السوق المغربية لا يكون بالضرورة فوريا، بالنظر إلى عوامل متعددة تدخل في تحديد الأسعار محليا، من بينها أسعار خام برنت، وتكاليف النقل والتأمين، وسعر صرف الدرهم، وهوامش الفاعلين في السوق.
ويُذكَّر في هذا الصدد أن المغرب يستورد أكثر من 94% من احتياجاته الطاقية، في ظل محدودية قدرات التكرير المحلية، وهو ما يجعل السوق الداخلية عرضة لانعكاس سريع نسبيا لأي تحرك في الأسواق الدولية، دون أن يعني ذلك تناسبا آليا ومباشرا في كل الحالات.
ارتفاع رمزي، لكنه مؤشر يستحق المتابعة
بست سنتيمات فقط، لا يبدو الارتفاع الحالي في سعر الغازوال كافيا لإحداث صدمة في تكاليف النقل واللوجستيك على المدى القصير. غير أن توقيته، بعد أقل من أسبوعين على زيادة أكبر بكثير بلغت 65 سنتيما، يفتح الباب أمام تساؤل أوسع حول اتجاه الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، في ظل استمرار التقلبات الجيوسياسية الدولية. وبالنسبة للفاعلين الصناعيين ومقاولات النقل واللوجستيك، يبقى المطلوب هو تتبع دقيق لهذه المراجعات الدورية، باعتبارها متغيرا مباشرا في هيكل التكاليف، أكثر من كونها مجرد خبر استهلاكي عابر.




