يبرز خلاف جديد بين الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” وعدد من الاتحادات الأوروبية، يتعلق هذه المرة بمقترح إحداث شركة تجارية أطلق عليها اسم “FFE”، ستكلَّف بتدبير الحقوق المرتبطة بكأس العالم. ويرفض الاتحادان الإسباني والبرتغالي بشكل قاطع أي تنازل عن أسهم أو حقوق تجارية مرتبطة بالبطولة لفائدة مستثمرين خواص، معتبرَين أن تنظيم الحدث يجب أن يبقى تحت الإدارة المباشرة والحصرية للفيفا. ووفق ما نقلته الصحافة الإسبانية، فإن البلدين قد يتجهان فعليا نحو الانسحاب من التنظيم المشترك لمونديال 2030 إذا ما اعتُمد المقترح بصيغته الحالية، وهو احتمال سارع الفيفا إلى التخفيف من حدته، موضحا أن الهدف من المشروع هو تطوير العائدات التجارية للبطولة مع الحفاظ الكامل على سيطرته عليها. وأكد الاتحاد الدولي أن أي قرار نهائي سيُعرض على تصويت الاتحادات الأعضاء خلال الاجتماعات المقبلة.
وبعيدا عن الجانب المؤسساتي لهذا الخلاف، يدعو هذا السيناريو إلى تقييم بارد لتداعياته الاقتصادية المحتملة، سواء بالنسبة لإسبانيا والبرتغال، أو للمغرب بصفته البلد الثالث المنظم، أو للفيفا نفسها.
خلاف في الحوكمة يمسّ مباشرة الجانب المالي
ما هو مطروح في هذا الخلاف ليس أمرا هامشيا، بل يتعلق بتوزيع العائدات التجارية المستقبلية لأحد أكثر الأحداث الرياضية ربحية في العالم: حقوق البث، الرعاية، التراخيص، واستغلال العلامة التجارية للبطولة. فبرفضهما فتح باب إدارة هذه الحقوق أمام مستثمرين خواص، تدافع إسبانيا والبرتغال عن نموذج تبقى فيه العائدات الاقتصادية للبطولة خاضعة لتحكيم الاتحادات والهيئة الدولية، بدل تقاسمها مع مساهمين خارجيين قد تتباين مصالحهم عن مصالح الدول المضيفة.
والمخاطرة، بالنسبة لمدريد ولشبونة، تكمن في أن فتح رأسمال هذه الحقوق أمام صناديق خاصة قد يغيّر على المدى المتوسط طريقة توزيع العائدات على الدول المنظمة والاتحادات الوطنية، وهو رهان مباشر يتعلق بتمويل البنى التحتية والمنح والبرامج التنموية الكروية المرتبطة بالحدث.
ما الذي سيضيع في حال انسحاب إسبانيا والبرتغال
إذا تحوّل التهديد إلى واقع، فإن الخسائر الاقتصادية ستتركز أساسا في البلدين المعنيين:
- العائدات السياحية والضريبية المرتقبة: كانت التوقعات الإسبانية تشير إلى ما يصل إلى 5 مليارات يورو من العائدات الاقتصادية، مع استقطاب نحو 1,4 مليون زائر إضافي ومليارات اليوروهات من النفقات السياحية.
- فرص الشغل المرتبطة بالتنظيم، والتي كانت تُقدَّر بعشرات الآلاف من المناصب، جزء مهم منها موجَّه للفئة الشابة.
- الاستثمارات التي انخرطت فيها البلدان بالفعل في تجديد الملاعب والبنى التحتية الاستقبالية، والتي ستتحول إلى أوراش بلا أفق مباشر.
- الإشعاع الدولي والصورة الإيجابية المرتبطة باستضافة مباريات ذات جماهيرية واسعة، بل وربما المباراة النهائية، التي كانت مدريد وبرشلونة من بين المرشحات لاحتضانها.
أما بالنسبة للبرتغال، التي يبقى وزنها اللوجستي في التنظيم أقل مقارنة بإسبانيا، فإن الخسارة ستكون أقل من حيث القيمة المطلقة، لكنها ستظل تمثل خسارة سياحية وإعلامية غير هيّنة لبلد تحتل فيه كرة القدم مكانة اقتصادية مهمة في قطاعي الرياضة والسياحة.
من سيستفيد من الفرصة الضائعة
انسحاب إسبانيا والبرتغال لن يعني نهاية البطولة، إذ من المرجح جدا أن يعيد الفيفا توزيع المباريات المعنية على مدن أو دول أخرى:
- المغرب، بصفته البلد الثالث المنظم، سيرى حصته النسبية ترتفع آليا في حال حافظ على مشاركته، مع استقطاب المزيد من المباريات والاستثمارات الفندقية والتغطية الإعلامية على أرضه.
- بلد بديل محتمل، إذا قرر الفيفا توسيع صيغة التنظيم لتعويض الانسحاب على بعد سنتين أو ثلاث سنوات من الموعد.
- الوجهات السياحية المنافسة، التي قد تستقطب جزءا من تدفقات الزوار الدوليين التي كانت متوقَّعة أصلا في اتجاه إسبانيا والبرتغال.
مخاطرة حوكمة أكثر منها أزمة اقتصادية شاملة
على المستوى الاقتصادي البحت، لا يمثّل هذا الخلاف خسارة صافية للاقتصاد العالمي بقدر ما يمثّل مخاطرة إعادة تشكيل مكلفة على المدى القصير: إعادة التفاوض بشأن عقود البث والرعاية المبرمة أصلا على أساس صيغة التنظيم الثلاثي، وحالة من عدم اليقين بالنسبة للمستثمرين في القطاع الفندقي ومقدمي الخدمات اللوجستية للحدث، إضافة إلى احتمال تأخر التخطيط اللوجستي على بعد أربع سنوات من الموعد. وبالنسبة للفيفا، فإن مثل هذا السيناريو من شأنه أيضا أن يضعف مصداقية جدولة التحضيرات أمام شركائها التجاريين، في وقت تسعى فيه الهيئة الدولية بالضبط إلى تعظيم عائدات البطولة.



