يواصل المغرب تنفيذ استراتيجيته التنموية من خلال وضع الاستثمار العمومي في صلب أولوياته المالية والاقتصادية. ومع برمجة غلاف إجمالي يصل إلى 400 مليار درهم برسم سنة 2027، تسعى المملكة إلى الحفاظ على وتيرة مرتفعة من تحديث البنيات التحتية وتعزيز القدرات الإنتاجية وترسيخ أسس اقتصاد أكثر تنافسية.
ويأتي هذا التوجه في سياق اقتصادي يتسم بتزايد الحاجة إلى تحسين التنافسية الصناعية، وتطوير شبكات النقل والخدمات اللوجستية، وتعزيز الأمن الطاقي والمائي، إلى جانب دعم التنمية الترابية وتقليص الفوارق بين الجهات.
وتحتل المؤسسات والمقاولات العمومية موقعاً محورياً ضمن هذه المنظومة الاستثمارية، إذ تبلغ مساهمتها المرتقبة، بما يشمل صندوق محمد السادس للاستثمار، نحو 251 مليار درهم، بما يعكس دورها الأساسي في تمويل وتنفيذ المشاريع الكبرى ذات الطابع الاستراتيجي.
وتؤكد هذه التعبئة المالية المكانة المركزية التي يواصل القطاع العام احتلالها في مسار التحول الاقتصادي للمملكة، خصوصاً أن تطوير البنيات التحتية المينائية والسككية والطاقية والصناعية يشكل رافعة أساسية لتعزيز جاذبية المغرب لدى المستثمرين المحليين والدوليين.
كما يمكن لهذه الاستثمارات أن تساهم في تحسين شروط الإنتاج، وخفض بعض التكاليف اللوجستية، وتسهيل اندماج المقاولات المغربية في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية، بما يدعم تنافسية الاقتصاد الوطني على المديين المتوسط والطويل.
غير أن ضخامة الاعتمادات المالية المبرمجة لا تمثل، في حد ذاتها، مؤشراً كافياً لقياس نجاح السياسة الاستثمارية. فالنجاعة الاقتصادية لهذا المجهود ستظل مرتبطة بجودة المشاريع المختارة، وسرعة تنفيذها، ومدى قدرتها على تحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.
تحفيز الاستثمار الخاص: الرهان الأساسي لتعظيم الأثر الاقتصادي
يتمثل أحد أبرز التحديات المرتبطة بهذه البرمجة الاستثمارية في قدرتها على تحفيز الاستثمار الخاص وإحداث أثر اقتصادي مضاعف يتجاوز حجم الإنفاق العمومي المباشر. فمن خلال تطوير البنيات التحتية وتحسين ظروف توطين المقاولات، تسعى الدولة إلى معالجة مجموعة من الاختلالات الهيكلية التي لا تزال تعيق بعض المبادرات الاستثمارية، ولا سيما ما يتعلق بالولوج إلى العقار الصناعي، وتكاليف النقل والطاقة، وجودة الخدمات اللوجستية.
وفي هذا الإطار، يمكن للمناطق الصناعية والمنصات اللوجستية وشبكات النقل والبنيات التحتية الطاقية أن تضطلع بدور حاسم في استقطاب وحدات إنتاجية جديدة، وتعزيز الاندماج الصناعي، وتحسين موقع المقاولات المغربية ضمن سلاسل القيمة الدولية. كما يمكن لصندوق محمد السادس للاستثمار أن يساهم في تطوير آليات التمويل ومواكبة المشاريع ذات الإمكانات الاقتصادية المرتفعة، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق القيمة المضافة وتوفير فرص الشغل.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يقتضي إرساء تنسيق فعال بين الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات العمومية والمستثمرين الخواص، بما يضمن تسريع تنفيذ المشاريع وتجاوز العراقيل الإدارية والتنظيمية. وتظل آجال معالجة الملفات الاستثمارية، وتوفير العقار المناسب، وتعبئة الموارد البشرية المؤهلة، وتيسير الولوج إلى التمويل، من بين العوامل الحاسمة في تحديد مدى قدرة الاستثمار العمومي على استقطاب رؤوس الأموال الخاصة.
ويكتسي البعد الترابي لهذه السياسة أهمية خاصة، بالنظر إلى مخاطر استمرار تمركز الاستثمارات الكبرى في الأقطاب الاقتصادية الأكثر تطوراً، وهو ما قد يؤدي إلى تعميق التفاوتات الجهوية في حال غياب آليات فعالة لتوجيه الأنشطة الإنتاجية نحو المناطق الأقل تصنيعاً. ومن هذا المنطلق، يشكل تحسين جاذبية الجهات، وإحداث مناطق صناعية ملائمة لخصوصياتها الاقتصادية، وتعزيز منظومات المقاولات الصغرى والمتوسطة، شروطاً أساسية لتوسيع قاعدة المستفيدين من المجهود الاستثماري العمومي.
كما أن تعزيز الروابط بين المشاريع الكبرى والنسيج المقاولاتي المحلي يمثل عاملاً مهماً لضمان انتشار آثار الاستثمار عبر مختلف القطاعات، بدلاً من اقتصار انعكاساته على عدد محدود من المقاولات أو المجالات الترابية. وتعكس برمجة 400 مليار درهم من الاستثمارات العمومية لسنة 2027 طموحاً اقتصادياً واسعاً، غير أن نجاح هذا التوجه سيظل رهيناً بقدرة المغرب على تحويل الموارد المالية المعبأة إلى بنيات تحتية جاهزة للاستغلال، واستثمارات خاصة مكملة، ووحدات إنتاجية جديدة، ومناصب شغل مستدامة، ومكاسب ملموسة في الإنتاجية.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي للسياسة الاستثمارية المغربية لم يعد يقتصر على تعبئة التمويلات ورفع حجم الإنفاق العمومي، بل أصبح يرتبط أساساً بمدى قدرة هذه الموارد على إحداث تحول مستدام في البنية الإنتاجية للاقتصاد الوطني، وتعزيز تنافسيته، وتوسيع مساهمة القطاع الخاص في خلق الثروة وفرص الشغل، بما يجعل الاستثمار العمومي محركاً فعلياً للتنمية الاقتصادية والترابية الشاملة.


