السيارات والطيران والإلكترونيات والبطاريات تقود نمواً تاريخياً للصادرات الصناعية، التي أصبحت تمثل نحو 87% من إجمالي صادرات المملكة.
تواصل الصناعة المغربية تعزيز مكانتها وتأكيد تحولها الهيكلي. فبفضل ما يقارب عقدين من السياسات الصناعية الطموحة، أصبحت المملكة اليوم أول منصة صناعية في إفريقيا. وقد تجاوزت قيمة الصادرات الصناعية 195 مليار درهم، أي ما يعادل 21.2 مليار دولار، وهو إنجاز يعكس التحول العميق الذي عرفه الاقتصاد المغربي واندماجه المتزايد في سلاسل القيمة العالمية.
ويستند هذا الأداء إلى قاعدة إنتاجية قوية تضم اليوم أكثر من 13 ألف مقاولة صناعية، توفر حوالي 1.3 مليون منصب شغل مباشر. كما أصبحت الصناعة تساهم بنحو 25% من الناتج الداخلي الخام، فيما تمثل المنتجات المصنعة 87% من إجمالي الصادرات المغربية، في تأكيد واضح على انتقال الاقتصاد الوطني نحو التصنيع ذي القيمة المضافة المرتفعة.
وتظل دول الاتحاد الأوروبي الوجهة الرئيسية للصادرات المغربية، إلى جانب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وتركيا ودول الخليج وإفريقيا جنوب الصحراء، مستفيدة من شبكة تضم أكثر من 50 اتفاقية للتبادل الحر تتيح ولوجاً تفضيلياً إلى سوق يتجاوز 2.5 مليار مستهلك.
ويظل قطاع صناعة السيارات المحرك الرئيسي لهذا التحول، حيث أصبح المغرب أول منتج للسيارات في إفريقيا بطاقة إنتاجية تتجاوز 600 ألف سيارة سنوياً، يتم تصنيعها أساساً في مصنعي طنجة والقنيطرة، مع نسبة إدماج محلي تفوق 70% في عدد من الطرازات.
وبنهاية شهر ماي 2026، بلغت صادرات قطاع السيارات 77.1 مليار درهم، مسجلة نمواً بنسبة 15.9% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، لتستحوذ على 36.4% من إجمالي الصادرات الوطنية.
ويواصل قطاع صناعة الطيران بدوره تحقيق نتائج متميزة، إذ يضم أكثر من 140 شركة متمركزة أساساً بجهتي الدار البيضاء والنواصر، وتبلغ قيمة صادراته حوالي 3 مليارات دولار سنوياً، مع نسبة إدماج محلي تتجاوز 40%، ويوفر نحو 27 ألف فرصة عمل.
كما تواصل الصناعات الكهربائية والإلكترونية والميكانيكية توسعها بفضل الاستثمارات الموجهة إلى مكونات السيارات، والأسلاك الكهربائية، والمعدات الصناعية، والبطاقات الإلكترونية، والحلول الرقمية الموجهة للأسواق الأوروبية والإفريقية.
ويشهد قطاع النسيج تحولاً نحو إنتاج المنسوجات التقنية والمنتجات ذات القيمة المضافة العالية، رغم تسجيله تراجعاً بنسبة 14.1% خلال الربع الأول من سنة 2026، بينما سجل قطاع الفوسفاط ومشتقاته انخفاضاً بنسبة 7.4%، في مقابل الأداء القوي للصناعات التكنولوجية.
دينامية قوية خلال النصف الأول من 2026
أكدت الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 استمرار الزخم الصناعي، حيث بلغت صادرات المغرب الإجمالية من السلع 211.4 مليار درهم بنهاية شهر ماي، بارتفاع نسبته 5.8% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وجاء هذا النمو مدفوعاً بالأداء القوي لقطاعات السيارات والطيران والصناعات الغذائية والإلكترونيات. كما تجاوزت صادرات السيارات 42 مليار درهم خلال الربع الأول من السنة، مسجلة نمواً بنسبة 12.1% قبل أن تواصل ارتفاعها خلال الأشهر التالية.
وسجل قطاع الصناعات الغذائية بدوره نتائج إيجابية بفضل الاستثمارات في تحويل المنتجات الفلاحية وتطوير القدرات الإنتاجية الموجهة للتصدير.
وتزامنت هذه الدينامية مع ارتفاع ملحوظ في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، التي تجاوزت 23 مليار درهم حتى نهاية ماي 2026، بزيادة تفوق 40% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، ما يعكس ثقة المستثمرين الدوليين في تنافسية الاقتصاد المغربي.
وتشمل الاستثمارات الجديدة قطاعات استراتيجية مثل بطاريات السيارات الكهربائية، ومكونات التنقل الكهربائي، والمواد المعدنية الحرجة، والهيدروجين الأخضر، والطاقات المتجددة، والإلكترونيات الصناعية، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الرقمية.
ويستفيد المغرب كذلك من توجه العديد من الشركات العالمية نحو إعادة تموقع سلاسل الإنتاج بالقرب من الأسواق الأوروبية، ما عزز جاذبية المملكة كوجهة صناعية.
بنية تحتية عالمية المستوى
ترتكز القدرة التنافسية للصناعة المغربية أيضاً على بنية تحتية متطورة، يتصدرها ميناء طنجة المتوسط، أكبر ميناء في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، الذي يربط المملكة بأكثر من 180 ميناءً عبر العالم.
كما يتوفر المغرب على شبكة طرق سيارة تتجاوز 1800 كيلومتر، وأول خط للقطار فائق السرعة في إفريقيا، إضافة إلى منصات لوجستية ومناطق صناعية متكاملة تستقطب كبرى الاستثمارات.
وتعزز هذه المؤهلات الميثاق الجديد للاستثمار، والحوافز الضريبية، ومبادرة «Morocco Now»، وتطوير المنظومات الصناعية، بما يرسخ مكانة المملكة كوجهة مفضلة للاستثمارات الدولية.
وبحلول سنة 2030، يطمح المغرب إلى تعزيز حضوره في سلاسل القيمة العالمية من خلال تطوير صناعات أشباه الموصلات، والبطاريات، والتنقل الكهربائي، والطيران المتقدم، والكيمياء الخضراء، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيات الاستراتيجية.
وبفضل صادرات صناعية تجاوزت 195 مليار درهم (21.2 مليار دولار)، تمثل 87% من إجمالي الصادرات الوطنية، يؤكد المغرب مكانته كأول قوة صناعية في القارة الإفريقية، وكمنصة صناعية ولوجستية محورية تربط بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.



