أحدث المقالات

اقتصاد الحملات الانتخابية بالمغرب: حين تتحول التزكية إلى مبلغ مالي

ثلاث وقائع منفصلة، برزت داخل حزبين مختلفين خلال الأسابيع الأخيرة، تعيد فتح نقاش أوسع من حدود شخص أو حزب بعينه: هل تحولت بعض التزكيات الانتخابية إلى سلعة قابلة للتسعير؟ وما العلاقة بين هذا النمط من التمويل غير المعلن وظاهرة “الترحال الحزبي” التي باتت سمة متكررة في كل موسم انتخابي؟

مطالب مالية داخل صفوف الاتحاديات

أثارت مريم جمال الإدريسي، عضوة المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وعضوة الكتابة الوطنية للنساء الاتحاديات، جدلا داخل حزبها، بعدما دعت إلى فتح تحقيق عاجل ومحايد بشأن معطيات تتحدث عن وجود مبالغ مالية مرتبطة بمنح التزكيات الانتخابية. وطالبت الإدريسي قيادة الحزب بالتحقق من هذه المعطيات، في ظل تداول معلومات تفيد بوجود مطالب مالية موجهة إلى عدد من المرشحات، عبر تحديد مبالغ يُفترض أن تساهمن بها مقابل الحصول على التزكية – مبالغ قد تصل، بحسب ما تداولته، إلى 160 مليون سنتيم مقابل تزكية المرشحة الواحدة.

وأهم ما ميّز موقفها الأول هو حرصها الواضح على التمييز بين ما هو متداول وما هو مؤكد: فقد أوضحت أنها لم تعاين بشكل مباشر أي وثائق تتضمن هذه المبالغ، وأن الأمر يتعلق بمعطيات متداولة داخل الحزب، وهو ما جعل من دعوتها لفتح تحقيق داخلي خطوة منهجية لتبيّن الحقيقة، لا اتهاما جاهزا.

تطور لاحق: شهادة شخصية تكشف تفاصيل الإشكال من الداخل

في تطور لاحق، اتضح أن مريم الإدريسي لم تكن فقط صوتا يطالب بفتح تحقيق في معطيات تخص مرشحات أخريات، بل كانت هي نفسها طرفا مباشرا في نزاع مماثل، تعلق هذه المرة بمسطرة اختيار وكيلة اللائحة الجهوية لحزبها بجهة الدار البيضاء – سطات. ففي بيان مفصل نشرته ردا على بيان صادر عن رئيس “لجنة البت” المكلفة بهذا الاختيار، أوضحت الإدريسي أن اعتراضها لم يكن يوما خلافا شخصيا مع رئيس اللجنة أو أعضائها، ولا كان نتيجة عدم حصولها على التزكية، بل اعتراض سياسي وتنظيمي وقانوني على المسطرة المعتمدة.

وتضمن بيانها ثلاث ملاحظات جوهرية:

الأولى، تتعلق باختصاص لجنة البت نفسها: إذ أكدت الإدريسي أن القانون الداخلي للحزب يمنح صلاحية اختيار وكيلات اللوائح الجهوية للمكتب السياسي، بينما نقلت مسطرة داخلية هذا الاختصاص إلى لجنة مكونة من وكلاء اللوائح المحلية – وهو ما اعتبرته تجاوزا لنص أعلى مرتبة بمسطرة ظرفية، دون عرض الأمر على المجلس الوطني المخول دستوريا بتعديل القانون الداخلي.

الثانية، وهي جوهر الإشكال بحسبها: أكدت أن رئيس اللجنة كان يطلب من كل مرشحة كتابة مبلغ مساهمتها المالية في ورقة موقعة تُحتفظ بها إلى حين المداولات. وميّزت الإدريسي بوضوح بين الاستعداد العام للمساهمة في تمويل الحملة – وهو ما تقول إنها لم ترفضه، بل قدمت بشأنه مشروعا متكاملا – وبين إلزامها بتحرير رقم محدد وموقّع أمام هيئة تملك سلطة منح التزكية، معتبرة أن ذلك يحوّل المساهمة المالية إلى معيار ضمني للمفاضلة بين المرشحات.

الثالثة، تتعلق بالبعد القانوني الأوسع: إذ اعتبرت الإدريسي أن اللائحة الجهوية آلية قانونية للتمييز الإيجابي لفائدة النساء، ولا يجوز تحويل القدرة المالية إلى شرط فعلي للاستفادة منها.

وتجدر الإشارة إلى أن رئيس لجنة البت نشر بدوره بيانا يقدم رواية مختلفة للوقائع، ردت عليه الإدريسي بالتفصيل أعلاه؛ وبما أن النص الكامل لبيانه الأول لم يكن بحوزتنا، فإننا نكتفي بعرض موقف الإدريسي كما صاغته هي بنفسها.

تطور جديد: استقالة الإدريسي من الحزب

في تطور لاحق لهذا الجدل، أعلنت مريم جمال الإدريسي تقديم استقالتها النهائية من كافة هياكل وتنظيمات حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومن جميع المهام والمسؤوليات التي كانت تتولاها داخل صفوفه، وذلك اعتبارا من 23 غشت 2026. وجاء القرار عبر رسالة استقالة رسمية وجهتها إلى الكاتب الأول للحزب وأعضاء المكتب السياسي، أكدت فيها أن القرار جاء بعد “تفكير عميق ومسؤول”.

وحرصت الإدريسي في رسالتها على توضيح أن استقالتها “لا تشكل موقفا ظرفيا أو رد فعل عابر”، ولا تعبر عن خصومة شخصية مع أي طرف، بل تأتي اتساقا مع قناعاتها ومبادئها. وعزت سبب قرارها إلى عدم قدرتها على “مسايرة بعض التحولات والممارسات الحزبية الحالية” التي اعتبرتها غريبة عن المسار التاريخي للحزب وعن منظومة قيمه المؤسسة، مشيرة إلى أن الخلاف في العمل السياسي أمر طبيعي، لكن الإشكال يكمن في “تراجع مساحات الرأي والنقد داخل الأجهزة الحزبية، وتراجع معايير الكفاءة والاستحقاق أمام الاعتبارات الأخرى”.

وتجدر الإشارة إلى أن رسالة الاستقالة لم تربط القرار صراحة بنزاع لجنة البت ومعيار المساهمة المالية موضوع القسم السابق؛ غير أن الصياغة العامة لأسباب الاستقالة – خاصة الإشارة إلى “تراجع معايير الكفاءة والاستحقاق أمام الاعتبارات الأخرى” – تحمل صدى موضوعيا مع الإشكال الذي أثارته الإدريسي بنفسها قبل أسابيع، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود رابط سببي مباشر ومصرح به بين الواقعتين. واختتمت الإدريسي رسالتها بالتماس إشعار القيادة الحزبية رسميا بالاستقالة، مع تجديد اعتزازها بالقيم الديمقراطية واحترامها لكافة المناضلين والمناضلات.

نفس الإشكال في حزب آخر: شهادة توحتوح

قبل ذلك بأيام، كشف محمادي توحتوح، المرشح بدائرة الناظور عن حزب الاستقلال والبرلماني السابق بحزب التجمع الوطني للأحرار، في تصريح لموقع “اليوم 24″، أنه طُلب منه مبلغ 460 مليون سنتيم لتمويل حملته الانتخابية من طرف حزبه السابق، وهو مبلغ يتجاوز، وفق حسابه الخاص، السقف القانوني الإجمالي المخصص لمقاعد دائرة الناظور الأربعة بفارق يناهز 220 مليون سنتيم. وأوضح في المقابل أن حزبه الحالي، الاستقلال، لم يناقش معه أي مبلغ مالي مخصص للحملة.

وكما هو الحال مع واقعتي الإدريسي، تبقى هذه المعطيات رواية طرف واحد في القضية، لم يصدر عنها بعد أي تعقيب رسمي من الحزب المعني.

ما الذي يحدده القانون فعليا؟

صادقت الحكومة، في مارس 2026، على مرسوم رفع سقف مصاريف الحملة الانتخابية من 500 ألف درهم إلى 600 ألف درهم لكل مترشح أو مترشحة، أي ما يعادل 60 مليون سنتيم. كما قيّد المرسوم مصاريف الدعاية عبر الوسائل الرقمية بثلث السقف الإجمالي، ونص على مساهمة الدولة في تمويل الحملات في حدود 75% من المصاريف المنجزة فعليا، شريطة مصادقة المجلس الأعلى للحسابات.

هذا الإطار القانوني يطرح من الناحية الاقتصادية إشكالا بنيويا: فحين يتجاوز الإنفاق الفعلي، أو المبلغ المطلوب مقابل التزكية، السقف المسموح به، يصبح جزء من هذا التداول المالي خارج دائرة التصريح الرسمي، وبالتالي خارج نطاق أي مراقبة أو استرداد قانوني.

السؤال الاقتصادي: ما هو “العائد على الاستثمار” الانتخابي؟

من الناحية النظرية البحتة، يمكن لعلم الاقتصاد السياسي أن يقترح عدة تفسيرات: أولا، قيمة المقعد البرلماني كرأسمال رمزي يمنح الحصانة والنفوذ؛ ثانيا، منطق الشبكة الانتخابية الذي يفسره عالم الاجتماع الفرنسي ريمي لوفو عبر مفهوم “الأعيان”؛ وثالثا، تحول التزكية إلى مورد نادر قابل للتسعير الضمني حين يفوق عدد الطامحين عدد المقاعد المتاحة.

الترحال الحزبي: عرض وطلب أكثر منه خيانة أو وفاء

يمكن قراءة ظاهرة انتقال المنتخبين بين الأحزاب – كما في حالة توحتوح – كنتيجة منطقية لبنية سوق سياسية تتنافس فيها الأحزاب على استقطاب “الأعيان” القادرين على حشد الأصوات. وقد وصف بعض المحللين المغاربة هذه الظاهرة بـ”الميركاتو الحزبي”.

ظاهرة تستحق تفكيكا أعمق من قضايا فردية

تبقى الوقائع، كل على حدة، روايات لم تؤكدها بعد الأطراف الأخرى المعنية بشكل كامل. لكن تكرار نفس النمط من المعطيات، وصولا إلى استقالة مسؤولة حزبية من كافة مهامها، يسلط الضوء على توتر بنيوي في المنظومة الانتخابية المغربية: سقف قانوني يهدف إلى ضمان تكافؤ الفرص، في مواجهة اقتصاد سياسي غير رسمي قد يتجاوزه أحيانا. وتبقى الأدوات الرقابية المتاحة – المجلس الأعلى للحسابات، والهيئة الوطنية للنزاهة، وآليات الرقابة الداخلية للأحزاب – هي الجهات المخول لها فحص مدى احترام هذا الإطار القانوني، بعيدا عن أي حكم مسبق.

قد يعجبك ايضا