أحدث المقالات

4.5 مليار دولار: كيف تتحول العيون إلى الرهان الطاقي الجديد لواشنطن في الصحراء المغربية

اتفاقية وُقعت يوم 28 يوليوز 2026 بمدينة العيون قلبت الأقاليم الجنوبية إلى بُعد صناعي جديد. فلأول مرة، تموّل الحكومة الأمريكية بشكل مباشر مشروعا خاصا في الصحراء المغربية: مجمع عملاق لإنتاج الأمونيا الخضراء بقيمة 4.5 مليار دولار، تقوده مجموعة “أورنكس” (ORNX). وخلف الإعلان التقني، تكمن إشارة سياسية واقتصادية لم يكن يتوقعها كثير من المراقبين.

ثلاثاء سيبقى محفورا في ذاكرة العيون

في 28 يوليوز 2026، استقبلت قاعة الاحتفالات بمدينة العيون حضورا غير معتاد: والي جهة العيون الساقية الحمراء، عبد السلام بكرات، ورئيس المجلس الجهوي، سيدي حمدي ولد الرشيد، إضافة إلى منتخبين محليين ودبلوماسيين، وفي قلب المشهد، سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب، دوك بوشان الثالث.

موضوع الحفل: توقيع اتفاقية بين الوكالة الأمريكية للتجارة والتنمية (USTDA) والشركة المشتركة أورنكس العيون 1 (ORNX Laâyoune 1 SASU). على الورق، يتعلق الأمر “فقط” بتمويل دراسة تقنية. لكن في الواقع، يتعلق الأمر بمحطة دبلوماسية وصناعية لم يتردد السفير نفسه في وصفها بالتاريخية.

وصرح دوك بوشان الثالث خلال الحفل: “يشرفني أن أكون هنا للإعلان عن أول تمويل تقدمه الحكومة الأمريكية لصالح القطاع الخاص في الصحراء المغربية“، مضيفا أن العلاقات بين الرباط وواشنطن “لم تكن يوما بهذه القوة“. كما أكد مجددا دعم واشنطن لمغربية الصحراء، معتبرا أن “الوضع الراهن لا يمكن أن يستمر“، وداعيا إلى تسوية “ستحرر مزيدا من الاستقرار والازدهار للمنطقة وللقارة الإفريقية“.

ما الذي تموله الوكالة الأمريكية فعليا؟

عمليا، تخصص الوكالة الأمريكية مبلغ 5.7 مليون دولار لتمويل دراسة هندسية أولية تمهيدية — وهي في مصطلحات القطاع دراسة “Pre-FEED” (ما قبل التصميم الهندسي الأساسي). ويشكل هذا النوع من الدراسات المرحلة التقنية التمهيدية التي لا مفر منها قبل اتخاذ أي قرار استثماري نهائي (FID) بخصوص مشروع صناعي ثقيل.

وأوضح المدير المساعد ومدير العمليات بالوكالة الأمريكية، توماس هاردي، منطق تدخل الوكالة قائلا: “نقدم منحا لإعداد المشاريع من أجل تسريع تطوير البنى التحتية وجذب التمويلات اللازمة لتنفيذ مشاريع البنى التحتية الأساسية“. وأضاف أن الدراسة الممولة “ستجيب عن أهم الأسئلة التقنية في هذه المرحلة من تطوير المشروع، اعتمادا على شراكة بين شركات أمريكية ومغربية يمكن أن تصبح ركيزة للتنمية الصناعية في الصحراء المغربية“.

وقد أوكلت “أورنكس” إنجاز هذه الدراسة لمجموعة هندسية أمريكية بالكامل، بقيادة عملاق الهندسة كيلوغ براون آند روت (KBR)، رفقة جي إي فيرنوفا (GE Vernova) وإلكتريك هيدروجن (EH2) وتيرابيز (Terabase). ومهمتها: تقييم تكنولوجيا محللات الماء الكهربائية التي طورتها EH2، ومقارنة خيارات التزود بالطاقة، وتحديد الحجم الأمثل للمنشآت، إلى جانب تقديم توقعات مالية مفصلة ونموذج اقتصادي يمتد على 25 سنة.

الرقم الحقيقي: مجمع صناعي بقيمة 4.5 مليار دولار

إذا كانت المنحة الأمريكية لا تتجاوز 5.7 مليون دولار، فهي ليست سوى مدخل لمشروع أوسع بكثير. فالمجمع الصناعي الذي تطمح “أورنكس” لبنائه في العيون يمثل استثمارا إجماليا يقدر بـ4.5 مليار دولار بالنسبة للشطر الأول فقط.

والهندسة الصناعية المرتقبة مثيرة للإعجاب من حيث الحجم:

  • ما يصل إلى 2 غيغاواط من طاقات الإنتاج الكهربائي المتجددة (رياح وشمس)؛
  • محلل كهربائي للماء بقدرة 900 ميغاواط، مخصص لإنتاج الهيدروجين عبر التحليل الكهربائي للماء؛
  • محطة لتحلية مياه البحر، لتزويد المسلسل الصناعي دون الضغط على الموارد المائية المحلية؛
  • بنى تحتية للتسييل والتخزين، مرتبطة بميناء العيون الأطلسي من أجل التصدير.

الهدف النهائي: إنتاج نحو 100 ألف طن من الهيدروجين الأخضر سنويا، تتحول بعد ذلك إلى ما يقارب 560 ألف طن من الأمونيا الخضراء، موجهة في آن واحد نحو السوق المغربية للأسمدة الفوسفاطية ونحو التصدير إلى أوروبا التي تبحث بشكل متزايد عن حلول صناعية منخفضة الكربون.

ويقف خلف هذا المشروع تحالف دولي يجمع الأمريكية أورتوس (Ortus) والإسبانية أكسيونا (Acciona) والألمانية نورديكس (Nordex) — تشكيلة عابرة للأطلسي تعكس الجاذبية المتنامية للصحراء المغربية أمام كبرى الشركات العالمية في مجال الطاقات المتجددة.

لماذا الأمونيا؟ رهان “الجزيئات منزوعة الكربون”

الأمونيا (NH₃) ليست منتجا عاديا بأي حال. إنها من أكثر المركبات الكيميائية استراتيجية في العالم: تشكل الأساس لغالبية الأسمدة الآزوتية التي تغذي الزراعة العالمية، كما تستخدم أيضا في التبريد الصناعي ومعالجة المياه ومختلف المسلسلات الصناعية.

لكن منذ بضع سنوات، عرفت الأمونيا حياة ثانية: فعندما تنتج انطلاقا من هيدروجين “أخضر” — أي مولّد عبر التحليل الكهربائي باستخدام كهرباء متجددة — تصبح ناقلا للطاقة قابلا للتصدير، وأسهل في النقل والتخزين مقارنة بالهيدروجين النقي. وهو ما يطلق عليه الخبراء تسمية “الجزيئات منزوعة الكربون”.

بالنسبة للمغرب، يستجيب الرهان على الأمونيا الخضراء لمنطق مزدوج: تأمين تزويد صناعة الأسمدة الفوسفاطية بأقل التكاليف — وهو قطاع تعد فيه المملكة أصلا قوة عالمية — مع التموقع في الوقت نفسه كمورّد لأوروبا التي تسعى إلى إزالة الكربون عن وارداتها الصناعية. ويندرج مشروع “أورنكس” بذلك مباشرة ضمن “العرض المغربي” للهيدروجين الأخضر، الإطار الاستراتيجي الذي تعتزم الحكومة من خلاله جعل جهة العيون الساقية الحمراء قطبا رئيسيا لإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراوين.

ملف تتابعه السلطات المغربية عن كثب

لا يتقدم مشروع “أورنكس” بمعزل عن غيره. فقد أحدثت الوزارة المكلفة بالاستثمار لجنة لتتبع مشاريع الهيدروجين الأخضر بالجنوب، تغطي في آن واحد مشروع “أورنكس” ومشروعا آخر تقوده مجموعة “طاقة-موييف” (Taqa-Moeve). وقد صادقت هذه اللجنة على أولى معطيات الدراسات في يونيو 2026، ما يؤكد أن الملف يتقدم وفق جدول زمني مضبوط.

ومن المرتقب أن تواصل السلطات الجهوية بجهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب المصادقة على المعطيات التقنية لمختلف مشاريع الهيدروجين الأخضر الجارية، وهي مرحلة تعتبر حاسمة قبل اتخاذ القرارات النهائية بشأن التنفيذ الصناعي والبنى التحتية الداعمة (كهرباء، ماء، ميناء).

إشارة تتجاوز الصناعة بكثير

إلى جانب الأرقام والجوانب التقنية، فإن ما يشد انتباه المراقبين هو البعد الدبلوماسي للاتفاقية. فمن خلال تمويل مشروع خاص لأول مرة في الأقاليم الجنوبية، ترسل واشنطن إشارة واضحة: اعترافا فعليا باستقرار المنطقة وجاذبيتها الاقتصادية، في سياق تدعم فيه الولايات المتحدة منذ سنة 2020 المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها “الأساس الوحيد” لتسوية قضية الصحراء.

وبحسب السفير بوشان، فإن هذا التمويل الذي قدمته الوكالة لدراسات المشروع قد يفتح الباب أمام استثمارات فيدرالية أمريكية أخرى في المنطقة. من جهته، قدم المدير العام لـ”أورنكس”، بيتر غيش، هذه المنحة باعتبارها المرحلة المفصلية التي ستقود، بعد استكمال دراسات الجدوى التقنية والاقتصادية والمالية والبيئية، إلى اتخاذ القرار الاستثماري النهائي بشأن هذا المجمع البالغة قيمته 4.5 مليار دولار.

المحطات المقبلة الواجب تتبعها

يتعين الآن على “أورنكس” أن تستكمل، بتنسيق مع الوكالة الأمريكية وسفارة الولايات المتحدة بالرباط، مجمل حزمة الدراسات الممولة بالمنحة الأمريكية — بما في ذلك نموذج مالي يمتد على 25 سنة وخطة تمويل تفصل بنية الديون ورأس المال. ولم يحسم التحالف بعد اختياراته التكنولوجية النهائية: إذ ستبقى عدة خيارات في المنافسة إلى حين استقرار شروط التمويل مع الجهات المُقرِضة الدولية.

ملف جدير بالمتابعة عن كثب في الأشهر المقبلة، في وقت يعزز فيه المغرب، مشروعا تلو الآخر، طموحه لأن يصبح أحد الأقطاب العالمية الكبرى في مجال الهيدروجين والأمونيا الخضراوين.

قد يعجبك ايضا