أحدث المقالات

كوريا الشمالية يُشتبه في سرقتها عملات مشفرة بقيمة 12.8 مليار دولار منذ عام 2017

مع سرقة ما يناهز 12.8 مليار دولار من العملات المشفرة منذ سنة 2017، أصبحت كوريا الشمالية، وفق تحقيقات متخصصة، واحدة من أبرز الجهات المرتبطة بالجرائم المالية الإلكترونية على المستوى العالمي. وبحسب تقرير نشرته شركة «TRM Labs» في 30 أكتوبر 2026، يُشتبه في مسؤولية مجموعات قرصنة مرتبطة بنظام بيونغ يانغ عن نحو 100 هجوم استهدف منظومة الأصول الرقمية خلال أقل من عشر سنوات. ويكشف الهجوم الضخم الذي تعرضت له منصة «Binance» في 29 أكتوبر، والذي قُدرت خسائره بنحو 6.36 مليارات دولار، عن مرحلة جديدة من الجريمة المالية العابرة للحدود، حيث أصبحت المنصات الرقمية أهدافاً استراتيجية، فيما تحولت العملات المشفرة إلى مصدر محتمل لتمويل أنشطة دولية خاضعة للعقوبات.

يشهد النظام المالي العالمي تصاعداً غير مسبوق في حجم المخاطر المرتبطة بالجرائم الإلكترونية. فوفقاً لنتائج تحقيق أجرته شركة «TRM Labs» الأمريكية المتخصصة في تحليل معاملات سلاسل الكتل «البلوك تشين»، تمكنت مجموعات قرصنة يُعتقد أنها مرتبطة بكوريا الشمالية من الاستيلاء على أصول رقمية تقدر قيمتها بنحو 12.8 مليار دولار منذ سنة 2017، من خلال ما يقارب 100 عملية إلكترونية.

العملات المشفرة: كوريا الشمالية في قلب أكبر عملية سطو إلكتروني في التاريخ

وتكشف هذه الأرقام عن تحول نوعي في طبيعة التهديدات التي تواجه الأسواق المالية، بعدما أصبحت الهجمات الإلكترونية قادرة على إحداث خسائر بمليارات الدولارات خلال فترات زمنية قصيرة. وشهدت سنة 2026 تصعيداً استثنائياً، إذ تشير تقديرات الشركة إلى أن المجموعات المرتبطة ببيونغ يانغ استولت على نحو 7.4 مليارات دولار من العملات المشفرة منذ بداية العام، وهو ما يمثل حوالي 85 في المائة من القيمة الإجمالية للأصول الرقمية المسروقة عالمياً خلال الفترة نفسها.

بينانس.. عملية قرصنة بقيمة 6.36 مليارات دولار

شكل الهجوم الذي استهدف منصة «Binance» في 29 أكتوبر 2026 أبرز محطة في هذا التصعيد. فخلال نحو عشرين دقيقة، تعرضت محافظ رقمية مرتبطة بالمنصة لتحويلات غير مشروعة قُدرت قيمتها بنحو 6.36 مليارات دولار، عبر عشر شبكات مختلفة لتقنية البلوك تشين. وبحسب هذه التقديرات، تجاوزت العملية بكثير حجم الهجوم الذي تعرضت له منصة «Bybit» في فبراير 2025، والذي أسفر عن سرقة نحو 1.5 مليار دولار.

ونسبت التحقيقات التي أجرتها شركتا «TRM Labs» و«Chainalysis» الهجوم إلى مجموعة «TraderTraitor»، التي يصنفها باحثون في الأمن السيبراني ضمن الشبكات المرتبطة بأنشطة القرصنة والتجسس الإلكتروني المدعومة من كوريا الشمالية. وفي الثالث من نوفمبر، كشفت «Binance» تفاصيل إضافية عن عملية اختراق جرى التحضير لها على مدى أشهر، مشيرة إلى استخدام أدوات تطوير برمجية مخترقة، وعروض توظيف وهمية، وبرمجيات خبيثة للوصول تدريجياً إلى الأنظمة الداخلية وأجهزة بعض المطورين. وأعلنت المنصة اتخاذ إجراءات أمنية إضافية وتعويض العملاء المتضررين، في حين رفضت بيونغ يانغ الاتهامات الأمريكية المتعلقة بضلوعها في العملية.

خمس هجمات تستنزف 9.1 مليارات دولار

لا تمثل عملية «Binance» حادثاً معزولاً، بل تندرج ضمن سلسلة من الهجمات الكبرى التي استهدفت منصات ومشاريع بارزة في سوق الأصول الرقمية. ووفقاً لتقديرات «TRM Labs»، تركزت خسائر تناهز 9.1 مليارات دولار في خمس عمليات رئيسية شملت منصات «Binance» و«Bybit» و«Ronin» و«Bitget» و«DMM Bitcoin».

وتكشف هذه العمليات عن تغير واضح في استراتيجيات القراصنة، الذين باتوا يركزون على اختراق البنيات الرقمية القادرة على توفير الوصول إلى كميات ضخمة من الأموال، بدلاً من تنفيذ هجمات صغيرة ومتفرقة. وأصبحت منصات التداول وأنظمة حفظ الأصول الرقمية والبنيات التحتية الخاصة بتحويل الأموال من أبرز الأهداف، نظراً إلى حجم السيولة التي تديرها وحساسية مفاتيح الوصول إلى محافظها. ويعني ذلك أن نجاح عملية واحدة قد يحقق عائدات تعادل حصيلة سنوات من الجرائم الإلكترونية التقليدية.

التسلل البشري سلاح جديد للقراصنة

لم تعد عمليات القرصنة المالية تعتمد حصرياً على استغلال الثغرات التقنية في البرامج والأنظمة المعلوماتية، بل أصبحت تستهدف بشكل متزايد العنصر البشري داخل المؤسسات. وتشمل الأساليب المستخدمة عروض عمل مزيفة، ومقابلات توظيف وهمية، واختبارات تقنية تحتوي على برمجيات خبيثة، إضافة إلى محاولات استدراج الموظفين والمطورين للحصول على صلاحيات الدخول إلى الأنظمة الحساسة. وبمجرد اختراق أجهزة المستخدمين أو حساباتهم المهنية، يسعى المهاجمون إلى الوصول إلى المفاتيح الرقمية وآليات المصادقة والتحكم في المعاملات المالية.

وتشير «TRM Labs» إلى أن الهجمات التي تستهدف البنيات التحتية والأنظمة الحساسة تمثل نحو 88 في المائة من القيمة الإجمالية للعملات المشفرة التي سرقتها المجموعات المرتبطة بكوريا الشمالية منذ سنة 2017، بما في ذلك الهجوم الأخير على «Binance». وتؤكد هذه المعطيات أن أمن المؤسسات المالية الرقمية لم يعد مرتبطاً فقط بجودة الأنظمة التقنية، بل أصبح يعتمد أيضاً على حماية الموظفين وتدبير الصلاحيات ومراقبة الوصول إلى المعلومات الحساسة.

سباق دولي لتعقب الأموال المسروقة

أعقب الهجوم على «Binance» تحرك واسع من الشركات المتخصصة في تحليل معاملات البلوك تشين ومنصات التداول والجهات المصدرة للعملات المستقرة، بهدف تعقب الأموال المسروقة ومنع نقلها أو تحويلها إلى أصول أخرى. ووفقاً للتقديرات الأولية لشركة «TRM Labs»، جرى تجميد أصول رقمية بقيمة تقارب 2.7 مليار دولار، بينما أشارت «Chainalysis» لاحقاً إلى أن المبلغ المجمد بلغ نحو 2.8 مليار دولار. وتبرز هذه النتائج أهمية التعاون بين المؤسسات المالية الرقمية والجهات المتخصصة في تتبع المعاملات والسلطات المكلفة بمكافحة الجرائم الإلكترونية. غير أن القراصنة يُعتقد أنهم ما زالوا يحتفظون بأصول تقدر بنحو 2.4 مليار دولار في شكل عملتي «بيتكوين» و«إيثريوم»، اللتين لا تخضعان لجهة إصدار مركزية قادرة على تجميد الأرصدة بصورة مباشرة. وتعكس هذه الوضعية صعوبة استرجاع الأموال المسروقة في بيئة مالية رقمية تسمح بتحويل الأصول بسرعة بين شبكات متعددة وعبر حدود الدول.

هل أصبحت القرصنة مصدراً لتمويل الدول؟

تتجاوز الاتهامات الموجهة إلى كوريا الشمالية الجانب الجنائي لتطرح إشكالية جيوسياسية تتعلق باستخدام الهجمات الإلكترونية وسيلة للحصول على موارد مالية خارج القنوات المصرفية التقليدية.

فمنذ سنوات، تربط السلطات الأمريكية وتقارير دولية بين مجموعات قرصنة مرتبطة ببيونغ يانغ وعمليات سرقة أصول رقمية، يُشتبه في توظيف عائداتها لتمويل أنشطة استراتيجية والالتفاف على العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على النظام الكوري الشمالي. وتشير بعض التحقيقات إلى احتمال توجيه جزء من هذه الأموال لدعم برامج عسكرية وتكنولوجية حساسة، بما فيها برامج التسلح. ورغم رفض كوريا الشمالية هذه الاتهامات، فإن حجم الأموال المعنية يسلط الضوء على تحول الجريمة الإلكترونية إلى قضية تتداخل فيها المصالح المالية والأمنية والجيوسياسية. فالأمر لم يعد مقتصراً على حماية المستثمرين من الخسائر، بل أصبح يتعلق أيضاً بفعالية العقوبات الدولية وقدرة الدول على حماية أنظمتها المالية من التهديدات العابرة للحدود.

إفريقيا أمام تحديات الأمن المالي الرقمي

بالنسبة إلى القارة الإفريقية، التي تشهد توسعاً متسارعاً في الخدمات المالية الرقمية والتكنولوجيا المالية ووسائل الدفع الإلكتروني، تحمل هذه التطورات رسائل تحذيرية مهمة. فانتشار المنصات الرقمية وتزايد الترابط بين الأنظمة المالية يفتحان فرصاً واسعة لتعزيز الشمول المالي وتطوير المبادلات التجارية، لكنهما يرفعان في الوقت نفسه مستوى التعرض للهجمات الإلكترونية. وأصبحت البنوك ومؤسسات الأداء وشركات تحويل الأموال والمقاولات التكنولوجية مطالبة بإدماج الأمن السيبراني ضمن أولوياتها الاستراتيجية، وليس باعتباره مجرد وظيفة تقنية مساندة.

وفي المغرب، كما في عدد من الاقتصادات الإفريقية المنخرطة في التحول الرقمي، تبرز الحاجة إلى تعزيز حماية البيانات، وتأمين البنيات التحتية المالية، وتطوير أنظمة مراقبة المعاملات، وتكوين الكفاءات المتخصصة في مواجهة التهديدات السيبرانية. وتؤكد تجربة «Binance» أن المخاطر لا تقتصر على منصات العملات المشفرة، بل يمكن أن تطال المؤسسات البنكية والشركات الصناعية ومشغلي البنيات التحتية الحساسة، خصوصاً عندما يستهدف المهاجمون الموظفين والمطورين وأصحاب صلاحيات الولوج إلى الأنظمة.

الأمن السيبراني يتحول إلى رهان للسيادة الاقتصادية

تعكس الأرقام التي نشرتها «TRM Labs» تحولاً عميقاً في طبيعة الجريمة المالية الدولية. فقد أتاحت الأصول الرقمية إمكانات غير مسبوقة لتحويل الأموال بسرعة وعلى نطاق عالمي، بينما أصبحت الهجمات الإلكترونية المتطورة قادرة على إحداث خسائر مالية ضخمة خلال دقائق. وأمام هذه التهديدات، لم تعد الحلول التقنية وحدها كافية. فمواجهة الجرائم المالية الرقمية تتطلب تعاوناً دولياً بين السلطات القضائية والهيئات التنظيمية والمؤسسات المالية وشركات الأمن السيبراني. كما أصبحت حماية الحسابات الحساسة، والتحقق من هويات الموظفين والمتعاملين، ومراقبة التحويلات المالية، وتبادل المعلومات حول التهديدات من العناصر الأساسية لضمان استقرار المنظومات الرقمية. ويبرز هذا التحول أيضاً الحاجة إلى تطوير أطر تنظيمية أكثر فعالية، قادرة على مواكبة الابتكار المالي دون إضعاف الثقة في الاقتصاد الرقمي.

ومع بلوغ القيمة التراكمية للأصول الرقمية المنسوبة سرقتها إلى مجموعات مرتبطة بكوريا الشمالية نحو 12.8 مليار دولار منذ سنة 2017، تدخل الجريمة الإلكترونية مرحلة جديدة من حيث الحجم والتعقيد والتأثير الاقتصادي. وتكشف قضية «Binance» أن شبكات القرصنة أصبحت قادرة على إحداث خسائر بمليارات الدولارات خلال دقائق، بما يجعل السيطرة على البنيات التحتية الرقمية عاملاً من عوامل القوة الاقتصادية والجيوسياسية. وفي عالم تتحرك فيه الأموال بسرعة الخوارزميات، لم يعد الأمن السيبراني مجرد اختصاص تقني، بل أصبح أحد المرتكزات الأساسية للسيادة المالية وحماية الاستثمارات واستقرار الاقتصاد العالمي.

قد يعجبك ايضا