حقق المغرب خطوة استراتيجية جديدة في مسار انتقاله نحو اقتصاد منخفض الكربون من خلال اعتماد التصنيف الأخضر الوطني (Green Taxonomy)، وهو إطار مرجعي يهدف إلى تصنيف الأنشطة الاقتصادية التي تسهم في تحقيق الأهداف البيئية والمناخية. ويشكل هذا النظام أداة أساسية لتوجيه الاستثمارات نحو المشاريع المستدامة، وتعزيز الشفافية في الأسواق المالية، وتسريع تعبئة التمويلات الخضراء في ظل تنامي المعايير الدولية المتعلقة بالتمويل المستدام.
وقد تم إعداد هذا التصنيف تحت إشراف بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل (AMMC) ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، وبمساهمة عدد من المؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين. ويحدد الإطار معايير تقنية دقيقة لتصنيف الأنشطة الاقتصادية التي تقدم مساهمة جوهرية في التخفيف من آثار التغير المناخي، والتكيف معه، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
وسيصبح هذا التصنيف مرجعًا رئيسيًا للبنوك والمستثمرين وشركات التأمين والمؤسسات الاقتصادية الراغبة في تطوير منتجات مالية مستدامة أو الاستفادة من التمويلات المناخية الدولية. كما سيساهم في تحسين تقييم المخاطر المناخية داخل المحافظ الاستثمارية والحد من ممارسات الغسل الأخضر (Greenwashing)، من خلال توحيد معايير تصنيف الاستثمارات البيئية.
ويندرج هذا المشروع في إطار التزامات المغرب بتنفيذ اتفاق باريس للمناخ والاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة والمساهمة المحددة وطنياً (NDC). ويهدف المغرب إلى رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52% من القدرة الكهربائية المركبة، مع تقليص البصمة الكربونية للاقتصاد الوطني عبر استثمارات واسعة في الطاقات المتجددة، والتنقل المستدام، والنجاعة الطاقية، وتدبير الموارد المائية، والاقتصاد الدائري، والفلاحة القادرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
ولا تقتصر أهمية التصنيف الأخضر على الجانب البيئي، بل يمثل أيضًا رافعة لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. فمن خلال مواءمة الإطار التنظيمي المغربي مع المعايير الدولية، ولا سيما معايير الاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، سيسهل هذا التصنيف ولوج المقاولات المغربية إلى التمويلات الخضراء، ويعزز جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويكرس مكانتها كمركز إقليمي للتمويل المستدام في القارة الإفريقية.
كما يعكس اعتماد هذا الإطار التحولات العميقة التي يشهدها النظام المالي العالمي، حيث أصبح المستثمرون المؤسسيون يولون أهمية متزايدة لمعايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG)، في حين تشترط مؤسسات التمويل الدولية بشكل متزايد الالتزام بالمعايير المناخية لتمويل المشاريع. وفي هذا السياق، يشكل توفر تصنيف وطني موثوق عاملاً أساسياً لاستقطاب رؤوس الأموال الموجهة نحو الاقتصاد الأخضر.
ومن خلال اعتماد هذا التصنيف الأخضر الوطني، يرسخ المغرب أسس منظومة متكاملة للتمويل المستدام، ويعزز شفافية الاستثمارات المسؤولة، ويسرع تحول نموذجه الاقتصادي نحو نمو أكثر مرونة وشمولاً وأقل انبعاثًا للكربون. وتمثل هذه الخطوة محطة جديدة تؤكد طموح المملكة في ترسيخ مكانتها كإحدى الدول الإفريقية الرائدة في مجالي الانتقال الطاقي والتمويل المناخي.















