نظم بنك المغرب، الجمعة بالرباط، بشراكة مع الهيئة الوطنية للمعلومات المالية، ورشة وطنية خصصت لمكافحة عمليات الاحتيال المالي من نوع “التصيد الاحتيالي” (Phishing)، بمشاركة ممثلين عن السلطات القضائية وسلطات إنفاذ القانون، والمؤسسات البنكية ومؤسسات الأداء، إلى جانب خبراء دوليين، وذلك في إطار تعزيز التنسيق الوطني لمواجهة الجرائم المالية المرتبطة بالتحول الرقمي.
وأكد مدير الإشراف البنكي ببنك المغرب، نبيل بدر، أن هذه المبادرة تعكس التعبئة المشتركة لمختلف الفاعلين لمواجهة ظاهرة أصبحت تشكل تهديدا متزايدا للثقة الرقمية ولنـزاهة المنظومة المالية، مبرزا أن تسارع رقمنة الخدمات البنكية ووسائل الأداء، رغم ما يتيحه من فرص لتوسيع الشمول المالي، يواكبه ارتفاع في المخاطر السيبرانية وأساليب الاحتيال الإلكتروني.
وأوضح أن الشبكات الإجرامية باتت تعتمد بشكل متزايد على تقنيات الهندسة الاجتماعية لاستهداف الزبناء مباشرة، عوض محاولة اختراق الأنظمة المعلوماتية للمؤسسات المالية، مستغلة الثقة التي تربط العملاء بمؤسساتهم البنكية.
وأشار إلى أن الرسائل البنكية المزيفة، والمكالمات الاحتيالية، وانتحال صفة المؤسسات المالية، والاستثمارات الوهمية، تعد اليوم من أبرز أشكال الاحتيال الإلكتروني التي تستهدف مستعملي الخدمات المالية.
وفي هذا السياق، كشف بدر أن تقرير الإنتربول حول تقييم تهديدات الاحتيال المالي العالمي قدر الخسائر الناجمة عن هذه الجرائم خلال سنة 2025 بنحو 442 مليار دولار، ما يعكس اتساع حجم التحديات التي تواجه الأنظمة المالية على المستوى الدولي.
وأضاف أن الاحتيال المالي لم يعد يقتصر على كونه تهديدا سيبرانيا، بل أصبح يرتبط بشكل مباشر بجرائم غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، بالنظر إلى توظيف العائدات المتحصلة من عمليات الاحتيال ضمن مسارات مالية معقدة وعابرة للحدود.
واستعرض المسؤول ببنك المغرب الإجراءات التي اعتمدها البنك المركزي لتعزيز حماية القطاع المالي، مشيرا إلى إصدار دليل للممارسات الفضلى سنة 2024 لمساعدة المؤسسات البنكية على مكافحة التصيد الاحتيالي، تلاه خلال يوليوز 2026 إصدار دليل جديد يتعلق بمخاطر “الحسابات الارتدادية”، التي تستغل في تمرير العمليات الاحتيالية.
كما دعا بنك المغرب المؤسسات البنكية إلى تعزيز أمن تطبيقاتها الرقمية من خلال اعتماد المصادقة متعددة العوامل، وربط العمليات البنكية بأجهزة موثوقة، والاستثمار في أنظمة ذكية لرصد العمليات المشبوهة وتحليل سلوك المعاملات والاستجابة السريعة لمحاولات الاحتيال.
وفي موازاة ذلك، يواصل البنك المركزي، بتنسيق مع المؤسسات المالية، تنفيذ حملات تحسيسية لفائدة المواطنين عبر الرسائل النصية والوسائط الرقمية والأدلة التوعوية، بهدف رفع مستوى الوعي بمخاطر التصيد الإلكتروني وتشجيع الزبناء على عدم مشاركة معطياتهم البنكية أو الشخصية مع أي جهة، مؤكدا أن البنوك لا تطلب هذه المعلومات عبر الهاتف أو الرسائل أو أي وسيلة مماثلة.
وشدد نبيل بدر على أن التصدي لهذه الظاهرة يقتضي تنسيقا وثيقا بين سلطات الإشراف والهيئات القضائية وسلطات إنفاذ القانون والقطاع البنكي ومتعهدي الاتصالات، إلى جانب انخراط المواطنين، مشيرا إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن فعالية مكافحة الاحتيال المالي ترتبط بسرعة تبادل المعلومات والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
وفي هذا الإطار، أبرز إحداث اللجنة الوطنية لمكافحة الاحتيال المالي، التي تعمل تحت تنسيق الهيئة الوطنية للمعلومات المالية، بهدف تعزيز الحكامة المؤسساتية، وتطوير آليات تبادل المعلومات، وتسريع رصد مرتكبي عمليات الاحتيال وملاحقتهم.
من جهتها، أكدت أسماء علاوي، المسؤولة عن نظام مكافحة الاحتيال بمجموعة التجاري وفا بنك، أن المؤسسة تواصل تطوير منظومتها الخاصة بالكشف الآلي عن محاولات الاحتيال الإلكتروني، مع التركيز على الوقاية باعتبارها خط الدفاع الأول.
وأوضحت أن البنك يعتمد حملات توعوية متواصلة عبر الرسائل النصية القصيرة ومنصات التواصل الاجتماعي وأجهزة الصراف الآلي، لتحذير الزبناء من أساليب التصيد الإلكتروني وسبل حماية معطياتهم البنكية، مشيرة إلى أن هذه الجهود تندرج ضمن المبادرات الوطنية التي يقودها بنك المغرب، وتشمل أيضا المغاربة المقيمين بالخارج، في ظل تنامي شبكات الاحتيال الدولية التي تستهدف الحسابات البنكية عبر المنصات الرقمية.
ومن المرتقب أن تتوج أشغال الورشة بصياغة مجموعة من التوصيات العملية، التي ستعمل اللجنة الوطنية لمكافحة الاحتيال المالي على تفعيلها، بما يعزز جاهزية المنظومة الوطنية لمواجهة التهديدات المتزايدة المرتبطة بالاحتيال الإلكتروني.







