واصل قطاع السياحة المغربي أداءه الاستثنائي خلال عام 2026، مؤكداً مكانته كأحد أهم محركات الاقتصاد الوطني. فعلى الرغم من السياق الدولي الذي يتسم بالتوترات الجيوسياسية، وتباطؤ النمو الاقتصادي في عدد من الأسواق المصدرة للسياح، واضطرابات حركة النقل الجوي، واستمرار الأزمات الإقليمية، يواصل المغرب تسجيل نتائج قوية تعزز موقعه كإحدى أبرز الوجهات السياحية في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط.
وخلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، استقبل المغرب 7.7 ملايين زائر، مسجلاً نمواً بنسبة 7% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. كما شهد شهر ماي وحده ارتفاعاً بنسبة 13% في عدد الوافدين، ما يعكس تزايد جاذبية الوجهة المغربية لدى الأسواق الأوروبية والإفريقية والأمريكية وأسواق الشرق الأوسط. وبعد تحقيق رقم قياسي بلغ 17.4 مليون سائح خلال عام 2025، يواصل المغرب مساره التصاعدي مقترباً من الأهداف الطموحة التي حددتها خارطة الطريق الوطنية للسياحة.
وانعكست هذه الدينامية بشكل مباشر على عائدات القطاع، حيث بلغت إيرادات السفر 53.76 مليار درهم حتى نهاية شهر ماي 2026، مقابل 46.91 مليار درهم خلال الفترة نفسها من العام السابق، أي بزيادة قدرها 14.6%، وهو ما يمثل 6.85 مليارات درهم إضافية تم ضخها في الاقتصاد الوطني. وخلال الربع الأول وحده، بلغت عائدات السياحة 31 مليار درهم، بارتفاع نسبته 24%، وهو ما يعكس ليس فقط ارتفاع عدد الزوار، بل أيضاً زيادة متوسط إنفاق السائح، بما يعكس نجاح المغرب في استقطاب سياحة ذات قيمة مضافة أعلى.
وتظل السياحة أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد المغربي. ووفقاً لأحدث المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، يساهم القطاع بحوالي 7.3% من الناتج الداخلي الإجمالي، فيما يقدر الناتج الداخلي الخام السياحي بحوالي 116.2 مليار درهم، مما يؤكد الدور الاستراتيجي للقطاع في خلق الثروة الوطنية. كما تمتد آثاره الاقتصادية إلى العديد من القطاعات المرتبطة به، من بينها النقل، والتجارة، والصناعة التقليدية، والفندقة، والمطاعم، والصناعات الثقافية، والخدمات المالية، والاستثمار الخاص.
ويعد القطاع أيضاً من أكبر مولدي فرص الشغل بالمملكة. وتشير أحدث الأرقام الرسمية إلى أن السياحة وفرت 894 ألف منصب شغل مباشر خلال سنة 2025، مقابل 802 ألف منصب سنة 2022، أي بإحداث 92 ألف وظيفة مباشرة جديدة في غضون ثلاث سنوات فقط، وهو إنجاز تجاوز الأهداف المسطرة ضمن خارطة الطريق السياحية 2023-2026. ويعكس هذا الأداء قدرة القطاع على تحفيز سوق الشغل في مجالات الفندقة، والمطاعم، ووكالات الأسفار، والنقل السياحي، والاستقبال، والصناعة التقليدية، والأنشطة الثقافية، والاقتصاد الاجتماعي.
ومن أبرز نقاط قوة السياحة المغربية قدرتها الكبيرة على الصمود في مواجهة الأزمات. فبعد تداعيات جائحة كوفيد-19، لم يكتف القطاع باستعادة مستوياته السابقة، بل تجاوزها بشكل واضح. ورغم ارتفاع تكاليف النقل، والتوترات الجيوسياسية، والضغوط التضخمية، واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، والصراعات الإقليمية، نجح المغرب في الحفاظ على جاذبيته بفضل استراتيجية ترتكز على تنويع الأسواق المصدرة للسياح، وتعزيز الربط الجوي، والاستثمار المستمر في البنيات التحتية السياحية، وتحديث العرض الفندقي، إلى جانب حملات الترويج الدولية التي يقودها المكتب الوطني المغربي للسياحة.
كما تعزز هذه المرونة بفضل التنوع المتزايد للعرض السياحي المغربي. فإلى جانب الوجهات التقليدية مثل مراكش وأكادير والدار البيضاء وفاس وطنجة، يعمل المغرب على تطوير قطاعات سياحية ذات قيمة مضافة عالية، تشمل السياحة الثقافية، والسياحة الشاطئية، والسياحة البيئية، والسياحة الجبلية، والسياحة الصحراوية، والسياحة الرياضية، وسياحة الاستشفاء والعافية، والسياحة الطبية، وسياحة الأعمال، بما يساهم في توزيع أفضل للتدفقات السياحية وتعظيم العائد الاقتصادي على مختلف جهات المملكة.
وتظل آفاق القطاع واعدة للغاية، مدعومة بالاستثمارات الكبرى المنجزة في إطار خارطة الطريق السياحية 2023-2026، والاستعدادات لاحتضان كأس الأمم الإفريقية 2025، ثم كأس العالم 2030 الذي سينظمه المغرب بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال. ويهدف المغرب إلى استقبال 22 مليون سائح وتحقيق أكثر من 150 مليار درهم من العائدات السياحية السنوية، بما يعزز مكانة السياحة كأحد أهم محركات النمو الاقتصادي والاستثمار وخلق فرص الشغل.
وتؤكد نتائج النصف الأول من عام 2026 أن السياحة المغربية دخلت مرحلة جديدة من النضج والتنافسية. فقد أصبحت أكثر تنوعاً وأكثر توجهاً نحو الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة، كما أثبتت قدرتها الاستثنائية على مواجهة الأزمات الدولية، مع تعزيز مساهمتها في النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتوفير العملة الصعبة، وترسيخ إشعاع المملكة على الساحة الدولية. ولم تعد السياحة مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت ركيزة استراتيجية للتنمية المستدامة وتعزيز القدرة التنافسية للمغرب على المدى الطويل.













