مع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، تعود الأسواق المغربية إلى واجهة النقاش العمومي بسبب الارتفاعات المتفاوتة في أسعار عدد من المواد الاستهلاكية الأساسية، في سياق يتسم بتراجع القدرة الشرائية للأسر وتزايد الضغوط الاجتماعية.
وبين من يربط هذه الزيادات بمنطق العرض والطلب، ومن يعزوها إلى المضاربات واختلالات سلاسل التوزيع، يجد المستهلك المغربي نفسه أمام موجة غلاء تمس مختلف تفاصيل الحياة اليومية.
وتشير المعطيات الأخيرة إلى أن أسعار المواد الغذائية واصلت منحاها التصاعدي خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، حيث سجل الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك ارتفاعا بفعل زيادة أسعار المواد الغذائية بنسبة بلغت 0,8 في المائة خلال فبراير الماضي، بينما ارتفعت أسعار بعض المواد الحيوية بشكل أكبر، خاصة السمك واللحوم والفواكه والخضر.
ووفقا لما عاينته مجلة صناعة المغرب عن قرب، يظل قطاع اللحوم الحمراء في صدارة المواد الأكثر تأثرا مع اقتراب عيد الأضحى، بالنظر إلى الارتباط المباشر لهذه المناسبة بالطلب المكثف على الأغنام والأبقار.
فقد تجاوز سعر لحم الغنم في بعض الأسواق 150 درهما للكيلوغرام على مستوى الجملة، مع توقعات ببلوغه حوالي 180 درهما لدى محلات التقسيط، فيما استقر لحم البقر عند مستويات مرتفعة بدوره.
ويُعزى هذا الوضع إلى تراجع القطيع الوطني بفعل سنوات الجفاف المتتالية وارتفاع أسعار الأعلاف وتكاليف النقل والتربية، إضافة إلى تنامي نشاط الوسطاء والمضاربين داخل الأسواق.
أما الخضر، التي تشكل المادة الأساسية في الاستهلاك اليومي للأسر المغربية، فقد عرفت بدورها تقلبات حادة خلال الأسابيع الأخيرة. فبعد أن سجلت أسعار الطماطم والبصل والبطاطس مستويات قياسية، بدأت تعرف بعض التراجع التدريجي مع اقتراب العيد، نتيجة انخفاض الطلب وتوجيه الأسر جزءا مهما من ميزانيتها نحو مصاريف الأضحية والعيد.
كما ساهمت بعض القيود المفروضة على التصدير في تعزيز وفرة المنتوج بالسوق المحلية. ومع ذلك، لا يزال المستهلك يلاحظ تفاوتا واضحا بين أسعار الجملة وأسعار التقسيط، بسبب تعدد الوسطاء وهوامش الربح المرتفعة.
وفي ما يتعلق بالفواكه، فقد شهدت بدورها ارتفاعات ملحوظة، خاصة الأصناف الأكثر استهلاكا خلال المناسبات والأعياد. وترتبط هذه الزيادات بعوامل موسمية مرتبطة بالطلب، فضلا عن تأثير تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، التي انعكست بشكل مباشر على الأسعار النهائية. وتشير بيانات رسمية إلى ارتفاع أسعار الفواكه بأكثر من 2 في المائة خلال الفترة الأخيرة.
كما لم يسلم قطاع السمك من موجة الغلاء، رغم الطابع البحري للمملكة، حيث سجلت أسعار السمك وفواكه البحر ارتفاعات تجاوزت 4 و5 في المائة وفق معطيات رسمية.
ويرجع مهنيون ذلك إلى ارتفاع تكاليف المحروقات، وتراجع العرض في بعض الفترات، إضافة إلى الإقبال المتزايد على هذه المنتجات خلال المناسبات الدينية والعائلية.
من جهة أخرى، تشهد مواد استهلاكية أخرى ارتفاعات أقل حدة لكنها مستمرة، من بينها مواد التنظيف والزيوت وبعض الخدمات المرتبطة بالمطاعم والنقل، كما ساهم ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل في زيادة أسعار عدد من المنتجات بشكل غير مباشر، وهو ما ينعكس على السلة الاستهلاكية للمغاربة بشكل عام.
ويرى متابعون أن إشكالية الأسعار في المغرب لم تعد مرتبطة فقط بالعوامل الدولية أو الظرفية المناخية، بل أصبحت تعكس أيضا اختلالات بنيوية في سلاسل التسويق والمراقبة.
فبين أسواق الجملة ونقاط البيع النهائية، تتضاعف الأسعار أحيانا بشكل لا يتناسب مع تكلفة الإنتاج الحقيقية، ما يطرح تساؤلات حول فعالية آليات ضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أنها تتابع تطورات الأسواق وتعمل على ضمان تموينها بشكل عادي، عبر دعم بعض الواردات وتشديد المراقبة على المضاربات والاحتكار.
غير أن استمرار ارتفاع الأسعار، خاصة مع اقتراب المناسبات الكبرى كعيد الأضحى، يجعل جزءا كبيرا من الأسر المغربية أمام تحديات مالية متزايدة، في ظل دخل محدود لا يواكب وتيرة الغلاء المتصاعدة.





