بمناسبة اليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج، يضع المركز الجهوي للاستثمار مراكش-آسفي الجالية المغربية في صلب استراتيجيته لتعزيز جاذبية المنطقة. ومن خلال منظومة «Marrakech Invest MDM»، يسعى المركز إلى تحويل ارتباط المغاربة المقيمين بالخارج ببلدهم، ورؤوس أموالهم وكفاءاتهم وشبكاتهم الدولية، إلى مشاريع إنتاجية تخلق فرص الشغل وتواكب الأوراش الكبرى للمملكة في أفق 2030. ويأتي هذا التوجه في وقت أصبحت فيه جهة مراكش-آسفي واحدة من أهم أقطاب الاستثمار بالمغرب. ففي سنة 2024، صادقت اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار على 798 مشروعاً، مقابل 537 مشروعاً سنة 2023، بزيادة بلغت 49%. وبلغت الاستثمارات المرتبطة بهذه المشاريع 95.9 مليار درهم، مع توقع إحداث 26,619 منصب شغل. ورغم أن هذا المبلغ يقل عن 118.4 مليار درهم المسجلة سنة 2023، فإن ارتفاع عدد المشاريع وفرص الشغل المتوقعة يعكس توسع قاعدة الاستثمار وتزايد دينامية المشاريع على مستوى الجهة.
2025: تسارع قوي في الاستثمارات
استمرت الدينامية خلال سنة 2025، مع تسارع قوي منذ الربع الأول. فقد صادق المركز الجهوي للاستثمار على 231 مشروعاً، بزيادة قدرها 18% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024، باستثمارات بلغت 38.5 مليار درهم، أي بارتفاع 51%، وبأكثر من 11,100 فرصة عمل متوقعة، بزيادة بلغت 135%. واستحوذ القطاع الصناعي وحده على 8.3 مليار درهم من الاستثمارات ونحو 6,000 منصب شغل، من خلال مشاريع مرتبطة بالطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والبنيات التحتية الصناعية. كما استحوذت الخدمات على ما يقارب نصف الاستثمارات، في حين ظل قطاع السياحة محركاً أساسياً من خلال 116 مشروعاً تمت المصادقة عليها. غير أنه ينبغي التمييز بين هذه النتائج الخاصة بالربع الأول والحصيلة السنوية الكاملة لسنة 2025، إذ لا تتيح المعطيات العمومية المتوفرة حالياً تحديد رقم سنوي موحد وقابل للمقارنة بشكل كامل مع 95.9 مليار درهم المسجلة سنة 2024.
2026 تؤكد عمق الدينامية الاستثمارية
وتؤكد المؤشرات المتوفرة لسنة 2026 استمرار هذا التسارع. ففي الفترة الممتدة من 24 نونبر 2025 إلى 30 أبريل 2026، تمت المصادقة على 570 مشروعاً، بقيمة استثمارات متوقعة بلغت 50.9 مليار درهم، وبنحو 24,900 فرصة عمل. وهكذا لم تعد مراكش-آسفي تقتصر على صورتها كوجهة سياحية كبرى، بل أصبحت الصناعة والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة واللوجستيك والخدمات والرقمنة والاقتصاد الأزرق والصناعات الثقافية والإبداعية من المحاور الرئيسية لتنويع اقتصاد الجهة.
المغاربة المقيمون بالخارج: خزان استراتيجي لرأس المال والكفاءات
في هذا السياق، يمثل المغاربة المقيمون بالخارج خزانا مهما من رؤوس الأموال والكفاءات والشبكات الدولية. ووفقاً لمكتب الصرف، بلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 118.979 مليار درهم سنة 2024، قبل أن ترتفع إلى 122.023 مليار درهم سنة 2025، بزيادة بلغت 2.6%. غير أنه لا ينبغي الخلط مباشرة بين هذه التحويلات والاستثمار المنتج، إذ لا تسمح المعطيات العمومية المتوفرة بعزل القيمة الدقيقة للاستثمارات التي قام بها المغاربة المقيمون بالخارج داخل جهة مراكش-آسفي خلال سنتي 2024 و2025. ويكمن التحدي في تحويل جزء من هذه القدرة المالية إلى رأسمال منتج، من خلال الشركات الصناعية، ووحدات الصناعات الغذائية، والمنشآت السياحية، والمنصات اللوجستية، والخدمات الرقمية، ومشاريع الطاقات المتجددة والأنشطة المبتكرة.
مراكش: قاطرة للاستثمار السياحي
تتمتع مراكش بمزايا تنافسية استثنائية بفضل شهرتها الدولية، وبنيتها الفندقية، ومطارها، ومنظومتها السياحية المتطورة. وفي سنة 2025، بلغ الاستثمار السياحي الوطني حوالي 8 مليارات درهم، استحوذت جهة مراكش-آسفي على نحو 30% منه، أي ما يقارب 2.4 مليار درهم. ويؤكد هذا التركيز الدور المحوري لمراكش كقاطرة للسياحة الوطنية، وكمنصة للخدمات والفعاليات والمطاعم والنقل والترفيه والاستثمارات العقارية المرتبطة بالسياحة.
أوراش 2030 تفتح دورة جديدة من الاستثمار
تضيف آفاق تنظيم كأس العالم 2030 بعداً جديداً إلى هذه الدينامية. فالاستثمارات المرتبطة بالبنيات التحتية الرياضية والفندقة والتنقل والنقل واللوجستيك والرقمنة والخدمات الحضرية تفتح سوقاً واسعة أمام المقاولات المغربية والمستثمرين الدوليين. ويأتي الملعب الكبير بمراكش ضمن البنيات التحتية التي يرتقب تعزيزها في هذا الإطار. وبالنسبة إلى المغاربة المقيمين بالخارج، لا تمثل هذه الأوراش فرصة ظرفية، بل سوقاً طويلة الأمد يمكن أن تخلق طلباً متزايداً على الإيواء والمطاعم والنقل والخدمات والبناء والتكنولوجيات والاقتصاد الرقمي.
«Marrakech Invest MDM»: تحويل الاهتمام إلى مشاريع
هذا هو الهدف الأساسي من برنامج «Marrakech Invest MDM»، الذي أطلقه المركز الجهوي للاستثمار بهدف هيكلة مواكبة المستثمرين من أبناء الجالية من خلال الإعلام والتوجيه والتكوين والربط بين الفاعلين والمواكبة الفردية. ويشمل هذا المسار مجالات التمويل والعقار والتهيئة والتعمير والتراخيص والجبايات والفرص القطاعية، إلى جانب مبادرات للربط بين حاملي المشاريع والمؤسسات المالية والفاعلين في المنظومة الاقتصادية الجهوية. وتهدف هذه المقاربة إلى الحد من العقبات الإدارية والمعلوماتية التي يمكن أن تؤخر إنجاز المشاريع.
من مدخرات الجالية إلى رأس المال المنتج
يكمن التحدي الحقيقي اليوم في تطوير العلاقة مع الجالية المغربية: الانتقال من المغربي المقيم بالخارج كزائر إلى المستثمر، ثم من المستثمر إلى شريك اقتصادي دائم في تنمية ترابه الأصلي. وتتوافر جهة مراكش-آسفي على محفظة متنوعة من الفرص، تشمل السياحة والصناعات الغذائية وتحويل المنتجات الفلاحية والصناعة والطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق في آسفي والصويرة واللوجستيك والرقمنة والخدمات الموجهة للمقاولات والتكوين والصحة والصناعات الثقافية والإبداعية. كما تمثل الخبرة الدولية للعديد من المغاربة المقيمين بالخارج ميزة إضافية، إذ يمكن لمساهمتهم أن تتجاوز التمويل لتشمل الخبرة الإدارية والتكنولوجيات والشبكات التجارية ومعرفة الأسواق الخارجية والقدرة على بناء شراكات دولية.
مراكش-آسفي: منصة استثمارية في أفق 2030
ترسم الأرقام المتوفرة مساراً واضحاً: 95.9 مليار درهم من المشاريع المصادق عليها سنة 2024، و38.5 مليار درهم خلال الربع الأول من 2025، و50.9 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من نونبر 2025 إلى أبريل 2026، في الوقت الذي تجاوزت فيه تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 122 مليار درهم سنة 2025. وهكذا تدخل جهة مراكش-آسفي مرحلة جديدة، لا يتمثل هدفها فقط في جذب رؤوس الأموال، وإنما أيضاً في اختيار وتسريع وتوطين الاستثمارات القادرة على خلق قيمة مضافة أكبر وفرص شغل مستدامة. وفي أفق 2030، يمكن للمغاربة المقيمين بالخارج أن يصبحوا أحد محركات هذا التحول. ومن خلال «Marrakech Invest MDM»، يسعى المركز الجهوي للاستثمار إلى بناء جسر بين الكفاءات المغربية المنتشرة في الخارج واحتياجات جهة تشهد تحولات اقتصادية متسارعة. وتمتلك مراكش-آسفي اليوم مقومات استراتيجية نادرة: وجهة عالمية، وسوقاً جهوية متنوعة، وبنيات تحتية قيد التطوير، وقطاعات صناعية وسياحية قوية، وجالية قادرة على توفير رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والشبكات الدولية في آن واحد. وسيتمثل التحدي الحقيقي خلال السنوات المقبلة في تحويل هذا الرصيد إلى استثمارات إنتاجية ومستدامة وقادرة على خلق فرص الشغل.



