واصل قطاع التأمين المغربي أداءه الإيجابي خلال النصف الأول من سنة 2026، بعدما بلغت أقساط التأمين الصادرة 39 مليار درهم، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 11.2 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. ويعكس هذا التطور الدينامية المتواصلة لسوق التأمين، مدفوعة بالنمو القوي للتأمين على الحياة ومنتجات الادخار، في وقت تبرز فيه تحديات جديدة مرتبطة بتغطية المخاطر الصناعية وحماية الاستثمارات.
يؤكد قطاع التأمين بالمغرب قدرته على مواصلة النمو وتعزيز مساهمته في تعبئة الادخار الوطني وحماية الأنشطة الاقتصادية. ووفق الإحصائيات نصف السنوية الصادرة عن هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، بلغ رقم معاملات شركات التأمين وإعادة التأمين 39 مليار درهم عند متم يونيو 2026، بزيادة قدرها 11.2 في المائة على أساس سنوي. كما بلغت أقساط التأمين المباشر، دون احتساب عمليات إعادة التأمين المقبولة، نحو 38.4 مليار درهم. ويعود هذا الأداء أساساً إلى التطور الملحوظ لفرع التأمين على الحياة، الذي حقق أقساطاً بقيمة 17.6 مليار درهم، بارتفاع نسبته 17.8 في المائة، ليمثل بذلك 45 في المائة من إجمالي السوق، مقابل 55 في المائة للتأمينات غير المرتبطة بالحياة.
وشكلت منتجات الادخار المرتبطة بوحدات الحساب المحرك الرئيسي لهذا النمو، بعدما بلغت أقساطها 2.74 مليار درهم، مسجلة قفزة استثنائية بنسبة 181.1 في المائة. وتعكس هذه الدينامية تنامي الاهتمام بمنتجات الادخار والاستثمار المرتبطة بالأسواق المالية، رغم ما تنطوي عليه من تقلبات محتملة في قيمة الأصول. في المقابل، حافظ الادخار بالدرهم على مكانته الأساسية داخل فرع التأمين على الحياة، بأقساط بلغت 12.86 مليار درهم، بزيادة قدرها 6.7 في المائة، مما يؤكد استمرار الطلب على المنتجات التقليدية للادخار.
أما التأمينات غير المرتبطة بالحياة، فقد سجلت أقساطاً بقيمة 21.4 مليار درهم، بارتفاع نسبته 6.3 في المائة. واحتل التأمين على السيارات الصدارة بإجمالي 9.9 مليارات درهم، محققاً نمواً بنسبة 7.2 في المائة، فيما بلغت أقساط المسؤولية المدنية للسيارات 7.89 مليارات درهم. وسجل التأمين ضد الحوادث الجسدية ارتفاعاً بنسبة 6.4 في المائة، لتصل أقساطه إلى 3.32 مليارات درهم، منها 2.89 مليار درهم للتأمين الصحي. كما بلغت أقساط التأمين ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية 1.94 مليار درهم، بزيادة نسبتها 6.2 في المائة.
وعرفت التغطية ضد الأحداث الكارثية نمواً بنسبة 8.1 في المائة، لتبلغ 428.5 مليون درهم، بينما ارتفعت أقساط المسؤولية المدنية العامة بنسبة 7.9 في المائة، إلى 570 مليون درهم. غير أن بعض فروع التأمين المرتبطة مباشرة بحماية الأنشطة الصناعية أظهرت تطوراً محدوداً. فقد بلغت أقساط التأمين ضد الحرائق 1.86 مليار درهم، بزيادة طفيفة لا تتجاوز 0.4 في المائة، فيما تراجعت أقساط التأمين ضد المخاطر التقنية بنسبة 0.3 في المائة، إلى 334.4 مليون درهم.
ويكتسي هذا التباين أهمية خاصة في ظل التحول الصناعي الذي يشهده المغرب، والتوسع المتواصل للاستثمارات في قطاعات السيارات والطيران والصناعات الغذائية والتجهيزات الصناعية. فحماية الوحدات الإنتاجية والمعدات والمنشآت أصبحت عنصراً أساسياً لضمان استمرارية النشاط الاقتصادي وتقليص آثار الحوادث والخسائر المحتملة.
وبالنسبة للمقاولات الصناعية الصغرى والمتوسطة، تبرز الحاجة إلى تطوير حلول تأمينية تتناسب مع طبيعة أنشطتها وإمكاناتها المالية، خصوصاً في مجالات الحرائق وأعطاب الآلات وتوقف الإنتاج والمسؤولية المدنية. ومع ذلك، فإن تباطؤ نمو أقساط بعض الفروع لا يكفي وحده لإثبات ارتفاع مستوى المخاطر غير المؤمنة. وفي مجال إعادة التأمين، بلغت الأقساط المقبولة 625.5 مليون درهم، مسجلة نمواً بنسبة 13.3 في المائة، مما يعكس أهمية آليات تقاسم المخاطر في تعزيز استقرار السوق.
وتؤكد هذه النتائج أن سوق التأمين المغربية تدخل مرحلة جديدة تتجاوز مجرد نمو رقم المعاملات، نحو تعزيز الابتكار وتوسيع نطاق الحماية وتحسين ولوج المقاولات إلى الضمانات المناسبة. ويبقى الرهان الاستراتيجي هو تحويل التأمين إلى رافعة حقيقية للتنافسية الصناعية والأمن الاقتصادي، من خلال مواكبة الاستثمارات وحماية وسائل الإنتاج وتعزيز قدرة المقاولات على مواجهة الأزمات. فكلما توسعت قاعدة التغطية التأمينية وتحسنت جودة الخدمات، تعززت قدرة الاقتصاد المغربي على تحقيق نمو مستدام وأكثر مقاومة للمخاطر.


