تفتح الشراكة العلمية بين المغرب وكندا آفاقاً جديدة أمام تطوير البحث الطبي والتكنولوجيات الصحية المتقدمة، عقب توقيع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية وجامعة لافال الكندية اتفاقيتين استراتيجيتين بمدينة بنجرير، تشملان إحداث مختبر دولي مشترك يجمع بين الفيزياء والبصريات وعلوم الأعصاب والأورام. وتندرج هذه المبادرة ضمن توجه يروم تعزيز التعاون الأكاديمي، وتسريع الابتكار في مجالات التشخيص والعلاج، وترسيخ مكانة المغرب ضمن الشبكات الدولية للبحث العلمي، بما يدعم طموحاته في تطوير منظومة صحية قائمة على المعرفة والتكنولوجيا والطب الدقيق.
يواصل المغرب تعزيز حضوره في مجال البحث العلمي والابتكار الطبي، من خلال توسيع شراكاته مع المؤسسات الجامعية الدولية، في إطار استراتيجية تهدف إلى تطوير الكفاءات العلمية الوطنية، وتعزيز نقل المعرفة والتكنولوجيا، وربط البحث الأكاديمي بالاحتياجات الصحية والصناعية. وفي هذا السياق، وقعت جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية وجامعة لافال الكندية، يوم 27 أكتوبر 2026، اتفاقيتين للتعاون العلمي والأكاديمي، خلال حفل احتضنه الحرم الجامعي بمدينة بنجرير، بمناسبة زيارة صوفي دامور، رئيسة جامعة لافال، إلى المغرب. وتشكل هذه الخطوة امتداداً لمسار تعاون انطلق بين المؤسستين سنة 2018، قبل أن يتطور نحو شراكة أكثر شمولاً تستهدف إطلاق مشاريع علمية مشتركة، وتطوير برامج تكوين متخصصة، وتعزيز التكامل بين الخبرات المغربية والكندية في مجالات علمية ذات قيمة مضافة عالية.
تعاون أكاديمي يشمل تخصصات استراتيجية
تهدف الاتفاقية الأولى إلى توسيع مجالات التعاون بين الجامعتين، من خلال إرساء إطار مؤسساتي يشمل العلوم والهندسة والفلاحة والصحة والتربية، إلى جانب العلوم الإنسانية والاجتماعية. وتنص الاتفاقية على تعزيز الحركية الأكاديمية للطلبة والأساتذة والباحثين، وتشجيع تبادل الخبرات، وتطوير برامج تكوين مشتركة، فضلاً عن دعم مشاريع البحث العلمي التي تجمع الكفاءات المغربية والكندية. وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي يشهدها التعليم العالي والبحث العلمي عالمياً، حيث أصبحت الشراكات الدولية إحدى الأدوات الأساسية لتطوير المعرفة وتعزيز القدرة على الابتكار. وبالنسبة إلى جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، يندرج هذا التوجه ضمن استراتيجيتها الرامية إلى تعزيز الانفتاح الدولي وبناء منظومة علمية قادرة على الربط بين البحث الأكاديمي والتطبيقات التكنولوجية والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية.
مختبر دولي يجمع الفيزياء بالطب
تمثل الاتفاقية الثانية المحور الأبرز لهذه الشراكة، إذ تتعلق بإحداث مختبر دولي مشترك للأبحاث متعددة التخصصات، يجمع بين الفيزياء والبصريات والفيزيولوجيا الكهربائية والبيولوجيا الطبية. ويهدف هذا المختبر إلى تطوير مقاربات علمية مبتكرة لفهم الآليات البيولوجية والجزيئية المرتبطة بالأمراض، واستكشاف تقنيات جديدة للتشخيص والعلاج، خصوصاً في مجالي علوم الأعصاب والأورام. وسيضم المختبر باحثين من كلية الفيزياء والهندسة وكلية العلوم الطبية التابعتين لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، إلى جانب خبراء من مركز البصريات والفوتونيات والليزر (COPL) ومركز الأبحاث العصبية (CERVO) التابعين لجامعة لافال.
وتستند هذه الشراكة إلى الجمع بين تخصصات علمية متكاملة، تشمل الفيزياء التطبيقية والتكنولوجيات البصرية والفيزيولوجيا الكهربائية على المستويين الخلوي والجزيئي والعلوم الطبية الحيوية. ومن شأن هذا التكامل أن يتيح للباحثين دراسة الآليات المرضية من زوايا علمية متعددة، وتطوير أدوات أكثر دقة لتحليل وظائف الخلايا والأنسجة، بما يفتح المجال أمام ابتكارات جديدة في التشخيص والعلاج.
علوم الأعصاب والأورام في صلب الأبحاث
تحتل الأبحاث المرتبطة بعلوم الأعصاب والأورام مكانة محورية ضمن البرنامج العلمي للمختبر الجديد، بالنظر إلى أهمية تطوير تقنيات متقدمة لفهم الأمراض العصبية والسرطانية وتحسين وسائل الكشف عنها وعلاجها. ويراهن الباحثون على الاستفادة من التطورات التي تشهدها تقنيات التصوير الطبي المتقدم والتحليل الوظيفي، من أجل دراسة الخصائص الفيزيائية والكهربائية للخلايا والأنسجة البيولوجية. ويمكن لهذه المقاربات أن تساهم في تحسين فهم التغيرات التي تطرأ على الخلايا خلال تطور بعض الأمراض، وتحديد مؤشرات بيولوجية جديدة قد تساعد مستقبلاً على تطوير وسائل تشخيص أكثر دقة.
كما سيولي المختبر اهتماماً خاصاً بالعلاج الجيني، من خلال استكشاف استراتيجيات مبتكرة للتأثير في الآليات الجزيئية والخلوية المرتبطة بالحالات المرضية. وتندرج هذه الأبحاث ضمن التوجه العالمي نحو الطب الدقيق، الذي يسعى إلى تطوير علاجات أكثر ملاءمة للخصائص البيولوجية والجينية لكل مريض، بدلاً من الاعتماد حصرياً على المقاربات العلاجية التقليدية. غير أن الانتقال من النتائج المخبرية إلى التطبيقات السريرية يظل مرتبطاً بمراحل من التحقق العلمي والتجارب الطبية واستيفاء الشروط التنظيمية اللازمة لضمان سلامة العلاجات وفعاليتها.
المغرب يعزز موقعه في التعاون العلمي الإفريقي الكندي
لا تقتصر أبعاد هذه الشراكة على التعاون الثنائي بين الجامعتين، بل تندرج ضمن دينامية أوسع يقودها الممر العلمي كندا–إفريقيا، الذي تدعمه منصة UM6P Global Hubs Canada. وتهدف هذه المبادرة إلى تعزيز الروابط بين المنظومات البحثية في القارتين، وتشجيع انتقال المعرفة والخبرات، وتطوير برامج علمية مشتركة تستجيب للتحديات المرتبطة بالصحة والتكنولوجيا والتنمية المستدامة. ويكتسي هذا التوجه أهمية استراتيجية بالنسبة إلى المغرب، الذي يسعى إلى ترسيخ مكانته باعتباره منصة إقليمية للبحث والابتكار، وقاعدة للتعاون العلمي بين إفريقيا والشركاء الدوليين. ومن شأن تطوير هذه الشبكات أن يساهم في تعزيز قدرات الباحثين المغاربة، وتوسيع فرص التكوين المتخصص، وتحسين الولوج إلى التجهيزات والتكنولوجيات العلمية المتقدمة. كما يمكن أن تفتح هذه المبادرات آفاقاً جديدة أمام تطوير الصناعات الطبية والبيوتكنولوجية، من خلال تشجيع نقل التكنولوجيا وتثمين نتائج البحث العلمي وتحويلها إلى تطبيقات اقتصادية وصحية. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية بناء منظومة متكاملة تربط الجامعات ومراكز البحث بالمستشفيات والمقاولات الصناعية والشركات الناشئة المتخصصة في التكنولوجيا الطبية.
البحث العلمي رافعة للسيادة التكنولوجية
تأتي هذه الشراكة في سياق دولي يشهد تسارعاً في الابتكارات الطبية والبيوتكنولوجية، وتنامي المنافسة حول امتلاك التقنيات المتقدمة المرتبطة بالتشخيص والعلاج والهندسة الحيوية. وأصبحت القدرة على تطوير المعرفة العلمية والتحكم في التكنولوجيا الصحية من المؤشرات الأساسية لمدى تنافسية الاقتصادات وقدرتها على تعزيز استقلاليتها في المجالات الاستراتيجية. وبالنسبة إلى المغرب، فإن الاستثمار في البحث العلمي المتقدم يمثل فرصة لدعم التحولات الجارية داخل المنظومة الصحية، وتعزيز القدرات الوطنية في مجالات التكنولوجيا الطبية والصناعات الدوائية والهندسة البيولوجية. كما يمكن للشراكات الدولية من هذا النوع أن تساهم في تكوين جيل جديد من الباحثين والمهندسين والأطباء المتخصصين في التقنيات الطبية الحديثة، بما يعزز الرأسمال البشري الضروري لبناء اقتصاد قائم على المعرفة.
غير أن تحقيق الأثر المنتظر من هذه المبادرات يتطلب توفير تمويلات مستدامة للبحث العلمي، وتعزيز البنيات التحتية المختبرية، وتشجيع حماية الملكية الفكرية، وتطوير آليات فعالة لنقل الابتكارات نحو القطاعات الإنتاجية. وتبقى قدرة المؤسسات الجامعية على تحويل الاكتشافات العلمية إلى منتجات وتقنيات قابلة للتطبيق أحد أهم التحديات التي تواجه منظومات الابتكار في الاقتصادات الصاعدة. ومن هذا المنطلق، فإن إحداث المختبر الدولي المشترك بين جامعة محمد السادس وجامعة لافال يمكن أن يشكل نموذجاً للتعاون العلمي القائم على التكامل بين التخصصات، وتعبئة الخبرات الدولية، وربط البحث الأكاديمي بالأولويات الصحية والتكنولوجية.
نحو منظومة متكاملة للابتكار الطبي
تعكس الاتفاقيتان الموقعتان ببنجرير تحولاً نوعياً في طبيعة الشراكات الجامعية، التي لم تعد تقتصر على تبادل الطلبة والأساتذة، بل أصبحت تتجه نحو إنشاء بنيات بحثية مشتركة قادرة على إنتاج المعرفة وتطوير حلول تكنولوجية متقدمة. كما تؤكدان أهمية التعاون الدولي في تسريع وتيرة الابتكار، خصوصاً في المجالات التي تتطلب استثمارات علمية كبيرة وتكاملاً بين تخصصات متعددة. وبالنسبة إلى جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، يمثل هذا المشروع فرصة لتعزيز حضورها في مجالات البحث الطبي المتقدم، وتوسيع شبكة شراكاتها الدولية، والمساهمة في تطوير قدرات علمية يمكن أن تخدم المغرب والقارة الإفريقية. أما جامعة لافال، فتتيح لها هذه الشراكة توسيع نطاق تعاونها العلمي الدولي والاستفادة من فرص البحث المشترك ضمن منظومة أكاديمية إفريقية تشهد تطوراً متسارعاً. وبذلك، تتجاوز الشراكة المغربية الكندية حدود التعاون الجامعي التقليدي، لتؤسس لمرحلة جديدة من التكامل بين الفيزياء والهندسة والطب، وتفتح آفاقاً واعدة لتطوير التشخيص والعلاج والطب الدقيق. وتعزز هذه المبادرة طموح المغرب في التحول إلى قطب علمي وتكنولوجي قادر على إنتاج المعرفة وتطوير الابتكار الطبي والمساهمة في مواجهة التحديات الصحية المستقبلية، على المستويين الوطني والإفريقي.


