اعتمدت عدد من الجامعات المغربية مؤخرا سلما جديدا للرسوم يستهدف الطلبة ذوي صفة الموظف أو الأجير: تصل الرسوم إلى 20 ألف درهم سنويا لسلك الدكتوراه، و15 ألف درهم لسلك الماستر، و5 آلاف درهم لسلك الإجازة. خلف هذه الأرقام، تُطرح معادلة اقتصادية واجتماعية أعمق، تتعلق بالعلاقة بين دخل الشغل والولوج إلى المعرفة، في بلد لا يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور 3500 درهم شهريا.
صدمة في القدرة الشرائية بمنطق حسابي صرف

الحساب هنا قاسٍ في وضوحه. فطالب الدكتوراه الأجير الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجر سيضطر، وفق السلم الجديد، إلى تخصيص ما يقارب ستة أشهر من راتبه السنوي الخام لأداء رسوم التسجيل وحدها، دون احتساب مصاريف المعيشة أو التنقل أو العتاد البيداغوجي. أما بالنسبة لسلك الماستر الممتد على سنتين، فإن فاتورة 30 ألف درهم تمثل عدة أشهر من الدخل التراكمي بالنسبة لشريحة واسعة من الساكنة النشيطة المغربية، التي تتقاضى غالبيتها أجورا قريبة من الحد الأدنى القانوني.
هذا التفاوت يطرح سؤالا اقتصاديا بحتا قبل أن يكون سياسيا: فالتسعيرة الموحدة، غير المراعية للمستوى الفعلي لدخل المؤدين، تنتج بشكل آلي أثرا تراجعيا . فهي تثقل كاهل الموظف الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجر بشكل نسبي أكبر بكثير من تأثيرها على إطار عالي الدخل، رغم خضوع الفئتين لنفس السلم. وهذا عكس منطق الضريبة التصاعدية تماما؛ إنه أشبه بضريبة موحدة مقنّعة تفرض على الطموح الأكاديمي.
مفارقة معاقبة الاستثمار في الرأسمال البشري
الحجة التي تدفع بها التنسيقية الوطنية للطلبة الموظفين والمأجورين تلامس نقطة موثقة جيدا في النظرية الاقتصادية: التكوين المستمر للفئات النشيطة يشكل استثمارا في الرأسمال البشري، وهو استثمار تنعكس آثاره الإيجابية الخارجية -من إنتاجية أعلى، وجودة في الخدمة العمومية والخاصة، وتنافسية اقتصادية شاملة- على المجتمع بأكمله، وليس فقط على الفرد المعني.
وبرفع كلفة الولوج إلى هذا النوع من التكوين بالنسبة لفئة مندمجة أصلا في سوق الشغل، يسير القرار عكس التوجه الرسمي المعلن الذي يضع تثمين الرأسمال البشري في صلب أولوياته، لاسيما في القطاعات الصناعية والتكنولوجية حيث تظل اليد العاملة المؤهلة عنق زجاجة بنيويا. فالأجير الذي يتابع ماستر أو دكتوراه بالتوازي مع عمله يمثل، من منظور نظرية الرأسمال البشري، مكسبا صافيا للاقتصاد: إذ يموّل بنفسه ارتقاءه المهاري دون أن يثقل كاهل النفقات العمومية المخصصة للتكوين الأساسي. ومعاقبته ماليا يعني عمليا تثبيط السلوك ذاته الذي تسعى سياسات التنافسية إلى تشجيعه.
اختلالات تنظيمية ترفع الكلفة الحقيقية
بمعزل عن قيمة الرسوم، تكشف الشهادات التي جمعتها البرلمانية فاطمة التامني عن اختلال يفاقم الكلفة الاقتصادية الفعلية التي يتحملها هؤلاء الطلبة: إذ ما تزال عدد من الجامعات تفرض الحضور للدروس والامتحانات والمناقشات في نفس التوقيت المخصص للطلبة المتفرغين، دون أي توقيت ميسر يراعي وضعية الأجراء. غياب هذه الحصص المخصصة يحوّل الارتفاع في الرسوم إلى عقوبة مزدوجة: كلفة مالية مرتفعة مقترنة بكلفة فرصة بديلة (coût d’opportunité) لا تقل ثقلا، بالنظر إلى أن الطالب الأجير مضطر أحيانا للتضحية بساعات عمل، مع ما يحمله ذلك من مخاطر فقدان دخل أو تعرض لعقوبات مهنية.
ومن الناحية الاقتصادية البحتة، يطرح هذا الوضع تساؤلا حول منطق التسعيرة نفسها: فإذا كانت الخدمة المقدمة (توقيت، تأطير، طرائق التدريس) مطابقة لتلك المتاحة للطلبة العاديين، يصبح من الصعب تبرير تسعيرة تفاضلية -بل أعلى- اقتصاديا، إلا إذا اعتُبر الأمر تمييزا سعريا مبنيا على الوضعية الاجتماعية المهنية بدل الكلفة الحدية للخدمة.
إشكالية الرجعية: مخاطر على الأمن القانوني وجاذبية الجامعة
الحالات المسجلة، ومن بينها ما وقع بجامعة ابن طفيل، حيث طُولب طلبة سبق تسجيلهم قبل دخول الإطار القانوني الجديد حيز التنفيذ بأداء الرسوم الجديدة أو إثبات عدم مزاولة أي نشاط مهني، تطرح إشكالا يتجاوز الحالة الفردية. فعلى المستوى الماكرو-اقتصادي، يضر التطبيق الرجعي للقواعد التعريفية بقابلية التنبؤ بعرض التكوين الجامعي، وهو عامل يدخل مباشرة في حسابات الأسر عند اتخاذ قرار الاستثمار -أو عدمه- في مسار دراسي طويل. فعدم استقرار الإطار التنظيمي المُدرَك يميل إلى تثبيط الاستثمار في التعليم، تماما كما يفعل عدم الاستقرار الجبائي مع الاستثمار الإنتاجي، إذ يُدخل “علاوة مخاطرة” لا تستطيع الأسر ذات الدخل المحدود تحملها بنيويا.
اختبار حقيقي لمبدأ تكافؤ الفرص
جوهر النقاش، كما تطرحه البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، أقل ارتباطا بالجانب القانوني منه بالآثار الاقتصادية: فإجراء يربط الولوج إلى الأسلاك العليا بالقدرة المالية بدل الاستحقاق العلمي يعيد فعليا رسم الخريطة الاجتماعية للجامعة المغربية. وهو ما يهدد بتكريس ظاهرة موثقة في عدد من الاقتصادات الناشئة: إعادة إنتاج التفاوتات الأصلية عبر كلفة التكوين المستمر، رغم تقديم هذا الأخير كرافعة للحراك الاجتماعي.
وفي وقت يراهن فيه المغرب على الارتقاء بمستوى اقتصاده -عبر التصنيع والرقمنة وجذب استثمارات ذات قيمة مضافة عالية- تشكل توفر يد عاملة مؤهلة وفي تكوين مستمر أصلا استراتيجيا. ورفع كلفة الولوج إلى هذا التكوين بالنسبة للأجراء الأقل أجرا يعني إضعاف إحدى الروافع التي يرتكز عليها هذا الطموح بالذات.



