تطرح التطورات السياسية الأخيرة بالمغرب سؤالاً جوهرياً حول حدود التماس بين الاستحقاقات الانتخابية والشارع السياسي من جهة، وبين المشاريع الاستراتيجية الكبرى والملفات السيادية للدولة من جهة أخرى. فقد فتحت التصريحات النارية المتبادلة بين قيادات المكونات السياسية الباب واسعاً أمام نقاش قانوني وأخلاقي حول خطورة “سياسة التوظيف الانتخابي” للأوراش التنموية الكبرى، وعلى رأسها ملف تنظيم “كأس العالم 2030” ومشروع الملعب الكبير لبنسليمان.
شرارة الخلاف: خطابات حامية في جهة الدار البيضاء-سطات
جاء التوتر الأخير على خلفية تصريحات وجهها عزيز أخنوش، رئيس الحكومة والرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار، خلال لقاء تواصلي بجهة الدار البيضاء-سطات (إقليم مديونة)، استهدف فيها ضمناً فوزي لقجع، على خلفية تصريحات الأخير بشأن نسب الإنجاز والتعهُّد باحتضان المباراة النهائية لـ”مونديال 2030″، فضلاً عن الحديث عن نسبة مشروع ملعب بنسليمان إلى أطراف بعينها.
شدد أخنوش في كلمته أمام مناضلي حزبه على أن البنيات التحتية والمشاريع الاستراتيجية هي “أموال وممتلكات تجسد الرؤية الملكية السامية، ومتمولة من المداخيل الضريبية للمواطنين ودعم الدولة”، رافضاً تحويل هذه الأوراش الوطنية إلى كعكة للوعود الانتخابية والمزايدات السياسية بين الأحزاب.
“المونديال” والسيادة الدبلوماسية: خطوط حمراء
إن إقحام ملف تنظيم كأس العالم 2030 في الصراع الحزبي لا يقتصر أثره على الداخل فحسب، بل يمتد ليمس بالحسابات الدبلوماسية الدقيقة مع الشركاء الدوليين. والتعهد المبكر باحتضان المباراة النهائية دون التوصل إلى توافقات نهائية مع الشريكين الإسباني والبرتغالي ينطوي على مخاطر إرباك الملف الثلاثي المشترك.
ويرى مراقبون أن تدبير الملفات الرياضية والاستثمارية ذات الطابع الدولي يتطلب استقراراً و”رزانة دبلوماسية”، والنأي بهذه الأوراش عن التهافت التنافسي للظفر بأصوات الناخبين، كونها ملفات استراتيجية تؤثر بشكل مباشر على سمعة مناخ الأعمال والاستثمار في المملكة.
البنية التحتية والمالية العامة: ملك للمواطن لا للحزب
من الزاوية الاقتصادية والمؤسساتية، يُجمع الخبراء على أن المشاريع المهيكلة، كإنشاء الملاعب الكبرى وتطوير شبكات المواصلات واللوجستيك، تُنفذ بميزانيات واقتطاعات ضريبية يساهم فيها عموم المواطنين. وبالتالي، فإن نسَب هذه الإنجازات إلى تنظيم سياسي بعينه أو شخص محدد يُعد مجانبة للحقيقة المؤسساتية.
إن حصر التحفيز التنموي في المبادرات الملكية وتوجيهات الدولة يضمن استدامة هذه الأوراش ورفض تسقيفها بحسابات الولايات الحكومية أو المواعيد الانتخابية، مما يمنح الثقة للمستثمرين المحليين والدوليين بأن المشاريع الاستثمارية بالمغرب تتمتع بالاستقرار والحياد عن التقلبات السياسية.
حصيلة الأداء وضوابط التحالف السياسي
لم يخلُ المشهد من استعراض الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية كبديل عن المزايدات. إذ يتم التركيز على مؤشرات التعافي الاقتصادي المتمثلة في:
-
توسيع تغطية التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر.
-
استهداف معدلات نمو تشجيعية (تصل إلى 5.3% خلال العام الجاري).
-
التحكم في التضخم والوفاء بالالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي.
وفي المقابل، جاء التنبيه إلى خطورة إذكاء الاحتقان السياسي أو وضع “خطوط حمراء” بين الأحزاب الوطنية، لأن خريطة الأغلبية تُحسم عبر صناديق الاقتراع والمسار الدستوري، وليس عبر إقصاء مكونات سياسية أو إشعال فتيل التوترات التي قد تؤثر على الاستقرار العام.
يبقى السؤال المطروح على الساحة السياسية اليوم: إلى أي حد ستلتزم الأحزاب الوطنية بفصل الأوراش السيادية والرياضية والاستثمارية عن خطابات الحشد الانتخابي؟
إن حماية المشاريع الكبرى للمملكة من التجاذبات الحزبية الضيقة ليس مجرد خيار أخلاقي، بل هو ضرورة اقتصادية ودبلوماسية لضمان إنجاح رهان “مونديال 2030” وتعزيز جاذبية المغرب الاستثمارية على الصعيدين الإقليمي والدولي.




