أحدث المقالات

سيدي بوعثمان: قطب صناعي جديد يتشكل في جهة مراكش-آسفي

تقع سيدي بوعثمان بإقليم الرحامنة، بالقرب من مراكش وعلى محور استراتيجي يربط المدينة بالأسواق الكبرى للمملكة، وهي تشهد اليوم تحولاً تدريجياً نحو موقع صناعي أكثر أهمية. فلم تعد المنطقة تقتصر على دورها كامتداد اقتصادي لمراكش، بل بدأت تتحول إلى مجال حقيقي لاستقبال أنشطة صناعية وتحويلية ذات قيمة مضافة متزايدة. ويقود هذا التحول توالي استثمارات في قطاعات التغليف والتعبئة، والبلاستيك، والأجهزة الطبية، ومستحضرات التجميل وغيرها من الأنشطة الصناعية. وتشكل المنطقة الصناعية إحدى الركائز الأساسية لهذه الدينامية، إذ توفر قدرة على استقبال استثمارات تبحث عن عقار صناعي بالقرب من مراكش. ومن أبرز المشاريع الاستثمارية مشروع AMG Packaging، التابعة للمجموعة الإيطالية Pro-Gest، التي أطلقت في أبريل 2023 أشغال بناء وحدة لصناعة عبوات ومواد التغليف من الورق والكرتون باستثمار معلن قدره 266 مليون درهم، على مساحة تبلغ 10 هكتارات. وكان من المرتقب أن يساهم المشروع أيضاً في خلق 170 منصب شغل وإنتاج مواد تغليف موجهة خصوصاً إلى القطاعات الفلاحية والمطاعم والتخزين.

تنويع صناعي أصبح واضحاً

تواصلت هذه الدينامية مع استقرار شركة INPHAB – Laboratoires Institut Pharmaceutique Bio، التي طورت منذ سنة 2023 موقعاً صناعياً جديداً في المنطقة الصناعية لسيدي بوعثمان. وتنتج الشركة، على الخصوص، الأجهزة الطبية ومستحضرات التجميل، كما تشير إلى حصولها على شهادتي NM ISO 13485 الخاصة بالأجهزة الطبية وNM ISO 22716 المتعلقة بممارسات التصنيع الجيدة لمستحضرات التجميل. ويقع موقعها الصناعي في 243، المنطقة الصناعية لسيدي بوعثمان. ويساهم هذا الاستثمار في تنويع القاعدة الصناعية المحلية نحو أنشطة أكثر ارتباطاً بالجودة والتنظيم والابتكار والقيمة المضافة. كما يعكس تحولاً مهماً في طبيعة الصناعة بسيدي بوعثمان، التي بدأت تستقبل أنشطة تتجاوز الصناعات التقليدية لتشمل قطاعات أكثر استراتيجية.

السيادة الصحية تجد موطئ قدم في سيدي بوعثمان

يظهر هذا التحول بشكل خاص في مجال الأجهزة الطبية. ففي 16 يناير 2026، دشنت شركة IM MEDICARE وحدة صناعية في المنطقة الصناعية لسيدي بوعثمان متخصصة في تصنيع الحقن الطبية وحقن التلقيح. ويبلغ الاستثمار في المشروع 85 مليون درهم، مع توقع خلق 70 منصب شغل مباشر، وطاقة إنتاجية معلنة تصل إلى 450 مليون حقنة سنوياً. وتعتبر وزارة الصناعة والتجارة هذا المشروع مساهمة في تعزيز السيادة الوطنية في مجال الأجهزة الطبية، مع طموح للانفتاح أيضاً على الأسواق الإفريقية. وبذلك تمنح هذه الوحدة سيدي بوعثمان بعداً جديداً، يتمثل في قدرتها على استقبال صناعات تستجيب لاحتياجات وطنية استراتيجية ويمكنها الاندماج في سلاسل القيمة الإفريقية.

صناعة البلاستيك تعزز المنظومة الصناعية

في 7 يوليوز 2026، دخلت سيدي بوعثمان مرحلة جديدة مع تدشين شركة Plastikpack Maroc لوحدة صناعية متخصصة في حقن البلاستيك. ويبلغ الاستثمار في المشروع 150 مليون درهم، مع توقع خلق 200 منصب شغل مباشر. وتضم الوحدة ورشة إنتاج بمساحة 3,000 متر مربع ومستودعاً للتخزين تبلغ مساحته حوالي 7,000 متر مربع، فيما تتيح خطوط الإنتاج الجديدة توسيع نطاق المنتجات نحو حلول ذات قيمة مضافة أكبر. ويعزز هذا المشروع موقع سيدي بوعثمان في مجال البلاستيك والتغليف، إلى جانب الأنشطة التي طورتها AMG Packaging والاحتياجات المتزايدة للصناعات الغذائية والفلاحية والتحويلية.

أكثر من 501 مليون درهم من الاستثمارات الموثقة

تمثل المشاريع التي تتوفر بشأنها معطيات منشورة حول قيمة الاستثمار، وهي AMG Packaging وIM MEDICARE وPlastikpack Maroc، ما لا يقل عن 501 مليون درهم من الاستثمارات المتراكمة، دون احتساب مشروع INPHAB الذي لم يتم العثور على قيمة استثماره منشورة بشكل واضح في المصادر التي تم الاطلاع عليها. وبالتالي، لا تمثل هذه القيمة بالضرورة مجموع الاستثمارات المنجزة في سيدي بوعثمان، لكنها تعطي مؤشراً واضحاً على تصاعد جاذبية المنطقة. والأهم أن هذه الاستثمارات تكشف عن تنوع ملحوظ في القاعدة الصناعية، من تغليف الورق والكرتون إلى الأجهزة الطبية وحقن البلاستيك ومستحضرات التجميل والمنتجات الصحية. ويمكن لهذا التنوع أن يساعد تدريجياً على ظهور شبكة من الموردين والمقاولين من الباطن ومقدمي الخدمات المتخصصة حول الوحدات الصناعية الموجودة.

العقار الصناعي كميزة تنافسية

من أبرز نقاط قوة سيدي بوعثمان قدرتها على توفير بيئة صناعية تسمح للشركات بالحصول على مساحات مناسبة للإنتاج والتخزين. ويكتسب هذا العنصر أهمية خاصة في ظل ارتفاع الضغط العقاري حول مراكش. وبالنسبة للمستثمرين، يتمثل التحدي المقبل في توفير عرض عقاري صناعي منظم ومتكامل، مدعوم بالبنيات التحتية والشبكات والخدمات واللوجستيك وتبسيط المساطر. كما أن قرب سيدي بوعثمان من مراكش يمثل ميزة إضافية، إذ يتيح للشركات الوصول إلى قاعدة واسعة من المستهلكين والخدمات والكفاءات والشركاء الاقتصاديين.

نحو منظومة صناعية متكاملة

ستكون المرحلة المقبلة حاسمة، إذ ينبغي الانتقال من مجرد تجمع لمشاريع منفصلة إلى منظومة صناعية متكاملة. فوجود فاعلين في مجالات التغليف والبلاستيك والأجهزة الطبية يوفر بالفعل شروطاً مواتية لتطوير سلاسل قيمة محلية. ويمكن أن تخلق حاجيات الصيانة الصناعية والنقل والتخزين والتغليف وحقن البلاستيك والمكونات والمعلوميات الصناعية والأمن والتنظيف المتخصص والتكوين التقني والخدمات الموجهة للمقاولات فرصاً جديدة للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة. كما يمكن لسيدي بوعثمان تطوير أنشطة في مجال الصناعات الغذائية والتحويلية المرتبطة بالإمكانات الفلاحية لإقليم الرحامنة، إضافة إلى منصات لوجستية لخدمة مراكش والأسواق الجهوية.

قطب صناعي يتشكل حول مراكش

يتجاوز هذا التحدي حدود الجماعة نفسها. إذ يمكن لسيدي بوعثمان أن تصبح حلقة صناعية مكملة لمراكش، من خلال استقبال الأنشطة الإنتاجية التي تحتاج إلى مساحات أكبر، وتعزيز الوظائف الصناعية واللوجستية للمنطقة الاقتصادية المراكشية. وتؤكد الاستثمارات المنجزة بالفعل أن المنطقة بدأت تكتسب مصداقية صناعية حقيقية. ويشكل دخول IM MEDICARE إلى مجال الأجهزة الطبية وتوسع Plastikpack في مجال حقن البلاستيك سنة 2026 مؤشرين قويين على هذا التحول. وإذا تمت مواكبة هذه الدينامية بعرض عقاري تنافسي، وبنيات تحتية فعالة، وربط جيد بالشبكات، ويد عاملة مؤهلة، ومواكبة أقوى للمستثمرين، فإن سيدي بوعثمان يمكن أن تفرض نفسها تدريجياً كـأحد الأقطاب الصناعية والصناعات الغذائية واللوجستية الجديدة في جهة مراكش-آسفي. وسيتمثل التحدي الحقيقي مستقبلاً في استقطاب الموردين والمقاولين من الباطن حول الشركات القائمة، وتعزيز التعاون بين الصناعيين، وتحويل الاستثمارات الفردية إلى سلاسل قيمة محلية قادرة على الإنتاج وخلق فرص الشغل والتصدير. وفي أفق 2030، يمكن لهذه الاستراتيجية أن تجعل من سيدي بوعثمان منطقة صناعية استراتيجية تخدم مراكش والرحامنة، وتساهم بشكل أوسع في تعزيز تنافسية جهة مراكش-آسفي.

قد يعجبك ايضا