أكد القطاع البنكي المغربي، مع نهاية النصف الأول من سنة 2026، متانته المالية وقدرته العالية على مواكبة التحولات الاقتصادية الكبرى التي يشهدها المغرب. ففي ظل سياق دولي يتسم بالتوترات الجيوسياسية، وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وتقلبات الأسواق المالية، واصلت المؤسسات البنكية المغربية تسجيل مؤشرات مالية قوية، وربحية مستقرة، وقدرة كبيرة على تمويل الأسر والمقاولات والمشاريع الاستراتيجية الكبرى.
وبفضل النمو المتواصل في القروض البنكية، وارتفاع حجم الودائع، وتنويع مصادر الدخل، وتسريع التحول الرقمي، وتوسع أنشطتها في القارة الإفريقية، تواصل البنوك المغربية ترسيخ مكانتها كأحد أهم محركات الاقتصاد الوطني، حيث تمثل أكثر من 27% من الرسملة السوقية لبورصة الدار البيضاء.
وتواصل مجموعة التجاري وفا بنك، أكبر مجموعة مصرفية في المغرب وشمال إفريقيا، تعزيز ريادتها بعد أن سجلت ناتجاً بنكياً صافياً (PNB) بلغ 18,4 مليار درهم بارتفاع 4% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما بلغ صافي الربح العائد للمجموعة (RNPG) 5,9 مليارات درهم بزيادة 1,1%، وارتفع إجمالي أصول المجموعة إلى 825,3 مليار درهم، أي بنمو 11,9%.
كما ارتفعت القروض الممنوحة بنسبة 7,4%، بينما نمت ودائع العملاء بنسبة 8,9%، وهو ما يعكس الثقة المتزايدة للأفراد والمقاولات والمستثمرين في المجموعة. وتواصل التجاري وفا بنك تنفيذ استراتيجيتها GOAL 2030، التي ترتكز على الذكاء الاصطناعي، والخدمات البنكية الرقمية، والابتكار، والأمن السيبراني، وتحسين تجربة الزبناء، وتعزيز حضورها في نحو ثلاثين بلداً إفريقياً.
من جانبه، حقق القرض المغربي (Crédit du Maroc) نتائج قوية خلال النصف الأول من السنة، حيث بلغ الناتج البنكي الصافي 1,91 مليار درهم بزيادة 7,8%، فيما ارتفع صافي الربح العائد للمجموعة إلى 532 مليون درهم مسجلاً نمواً بنسبة 19,4%.
كما سجلت القروض ارتفاعاً بنسبة 9,4%، والودائع بنسبة 8,7%، في حين تراجع معامل الاستغلال إلى 45%، مما يعكس تحسناً واضحاً في الكفاءة التشغيلية للمؤسسة. كما ساهم التحكم في تكلفة المخاطر وارتفاع العمولات البنكية في تعزيز ربحية البنك.
أما بنك أوف إفريقيا (Bank of Africa)، فقد واصل بدوره تحقيق أداء إيجابي. وأظهرت المؤشرات المالية الخاصة بالربع الأول من سنة 2026، في انتظار نشر النتائج نصف السنوية، تحقيق ناتج بنكي صافٍ للمجموعة بلغ 4,9 مليارات درهم، مع صافي ربح عائد للمجموعة بلغ مليار درهم، بارتفاع 9%، إضافة إلى تحقيق صافي ربح بالمغرب بلغ 775 مليون درهم بزيادة 6%.
كما ارتفع هامش الفائدة الصافي بنسبة 7%، بينما نمت العمولات بنسبة 11%، وهو ما يعكس متانة أنشطة البنك التجارية وتنويع مصادر دخله.
وتواصل مجموعة البنك الشعبي المركزي (BCP)، ثاني أكبر مجموعة مصرفية بالمملكة، الحفاظ على دينامية تجارية إيجابية. فقد أظهرت مؤشرات الربع الأول من سنة 2026 استمرار نمو القروض، وتحسن تعبئة الادخار، وتعزيز أنشطة البنك التجاري، وتمويل المقاولات، والبنك التشاركي، والخدمات المالية المتخصصة.
ومن خلال فرعها Atlantic Business International (ABI)، الحاضر في حوالي عشرين دولة إفريقية، تواصل المجموعة الاستثمار في التحول الرقمي، وحلول الأداء الإلكتروني، وتمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة، والقطاع الفلاحي، والصناعة، والبنيات التحتية، وريادة الأعمال. ومن المنتظر أن تؤكد النتائج المالية للنصف الأول هذه الدينامية الإيجابية.
كما تواصل المؤسسات البنكية الكبرى الأخرى تعزيز حضورها في السوق. فقد سرعت CIH Bank تطوير خدماتها الرقمية، وتمويل السكن، وخدمات الأداء الإلكتروني، فيما تواصل CFG Bank توسيع أنشطتها في مجالات البنك الخاص، وبنك الأعمال، وتمويل المقاولات.
ويواصل القرض الفلاحي للمغرب تعزيز دوره في تمويل الفلاحة والصناعات الغذائية والعالم القروي وسلاسل القيمة الفلاحية، بينما تواصل Saham Bank، التي خلفت سوسيتيه جنرال المغرب بعد انضمامها إلى مجموعة سهام، تحديث عروضها التجارية وتطوير حلولها الرقمية ومواكبة المقاولات المغربية. كما تواصل BMCI والبريد بنك وBank Al Yousr وUmnia Bank استثماراتها في الابتكار والتحول الرقمي وتعزيز الشمول المالي.
الابتكار والتحول الرقمي والتوسع الإفريقي في صلب الاستراتيجية البنكية المغربية
لا يزال نمو القروض يشكل المحرك الأساسي لأداء القطاع البنكي المغربي. فالمؤسسات البنكية تواكب بشكل فعال الاستثمارات في قطاعات صناعة السيارات، والطيران، والبنيات التحتية، والموانئ، والسكك الحديدية، والطاقات المتجددة، والعقار، والفلاحة، والسياحة، والصحة، إلى جانب المشاريع الكبرى المرتبطة بالتحضير لتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030.
كما يشكل التحول الرقمي ركيزة أساسية لتعزيز تنافسية البنوك المغربية، حيث تستثمر بكثافة في التطبيقات البنكية، والخدمات الرقمية، وحلول الأداء الإلكتروني، والأمن السيبراني، وأتمتة العمليات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يساهم في تحسين جودة الخدمات، وتعزيز إدارة المخاطر، وتقليص آجال المعالجة، ورفع مستوى رضا الزبناء.
ويظل التوسع في إفريقيا أحد أهم محركات النمو المستقبلية، إذ تحتل المجموعات البنكية المغربية اليوم مكانة رائدة في تمويل الشركات، والدول، والمستثمرين، ومشاريع البنية التحتية، والتجارة البينية الإفريقية، وسلاسل القيمة الصناعية، مما يعزز مكانة المغرب كمركز مالي ومصرفي مرجعي على مستوى القارة الإفريقية.
ويرى المحللون أن آفاق القطاع تظل إيجابية، رغم التراجع الذي سجلته بعض الأسهم البنكية في بورصة الدار البيضاء منذ بداية السنة، معتبرين أن الأمر يتعلق بتصحيح تقني للأسواق أكثر منه ضعفاً في أساسيات القطاع.
كما تواصل الإيرادات البنكية المتكررة نموها بفضل ارتفاع القروض، وزيادة العمولات، وتطور الخدمات البنكية الرقمية، وتمويل التجارة الدولية، وإدارة الأصول، إلى جانب التزام البنوك بتمويل الاقتصاد الأخضر، ودعم المشاريع المستدامة، وتعزيز الشمول المالي، ومواكبة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.
وعلى المدى المتوسط، تبدو الآفاق واعدة بفضل استمرار الاستثمارات العمومية والخاصة، وتسارع المشاريع الكبرى، وصعود الصناعات المغربية، خاصة في مجالات السيارات والطيران والصناعات الدوائية والطاقات المتجددة، إضافة إلى المشاريع المرتبطة بتنظيم مونديال 2030.
وبفضل متانة مراكزها المالية، وربحيتها المرتفعة، وقدرتها على الابتكار، وانتشارها الواسع في إفريقيا، تؤكد البنوك المغربية اليوم مكانتها كفاعل استراتيجي لا غنى عنه في تمويل الاقتصاد الوطني، ودعم التنمية الصناعية، وتعزيز إشعاع المغرب كمركز مالي رائد على مستوى القارة الإفريقية.



