سجلت الصادرات الفرنسية نحو تونس وليبيا خلال النصف الأول من سنة 2026 نمواً متقارباً، بلغ 10.2% نحو تونس و10.3% نحو ليبيا على أساس سنوي. غير أن هذا التشابه في النسب يخفي واقعين اقتصاديين مختلفين؛ فتونس تمثل سوقاً صناعياً مندمجاً منذ سنوات في سلاسل القيمة الأوروبية، بينما تفتح ليبيا مجالاً واسعاً أمام الشركات الفرنسية بفعل احتياجاتها المتزايدة في البنية التحتية والطاقة والمياه والتجهيزات.
تأتي هذه الدينامية في وقت سجلت فيه الصادرات الفرنسية الإجمالية من السلع نمواً أكثر اعتدالاً خلال النصف الأول من 2026، بنسبة 1.8% لتصل إلى 320.2 مليار يورو، في حين ارتفعت الواردات بنسبة 4% إلى 354.1 مليار يورو، ليتفاقم العجز التجاري للسلع إلى 33.9 مليار يورو.
تونس.. شراكة صناعية راسخة
تحتفظ تونس بموقع مهم في العلاقات التجارية الفرنسية مع شمال إفريقيا، مستفيدة من القرب الجغرافي ومن شبكة واسعة من العلاقات الصناعية والاستثمارية. وتتميز المبادلات بين البلدين بوجود قوي للأنشطة الصناعية، ولا سيما المكونات الكهربائية والميكانيكية، والتجهيزات والخدمات المرتبطة بسلاسل الإنتاج الأوروبية. ويمنح هذا الاندماج الشركات الفرنسية قاعدة قائمة بالفعل للتصدير والاستثمار والتعاون الصناعي.
وتكتسب زيادة الصادرات الفرنسية نحو تونس بنسبة 10.2% خلال النصف الأول من 2026 أهمية خاصة، لأنها تأتي فوق قاعدة تجارية وصناعية متقدمة أصلاً. كما تعكس استمرار الطلب التونسي على التجهيزات والمنتجات الصناعية والخدمات ذات القيمة المضافة.
وتؤكد البيانات التونسية استمرار دينامية التجارة الخارجية. فقد بلغت صادرات تونس خلال النصف الأول من 2026 نحو 34.6452 مليار دينار تونسي، مقابل 31.7737 مليار دينار خلال الفترة نفسها من 2025. وبلغت الواردات 47.2146 مليار دينار.
وخلال الأشهر السبعة الأولى من السنة، ارتفعت الصادرات التونسية بنسبة 9.9% إلى 40.6384 مليار دينار، فيما زادت الواردات بنسبة 13.7% إلى 55.596 مليار دينار، ليتسع العجز التجاري إلى 14.9576 مليار دينار.
الصناعة في قلب النمو التونسي
تظهر البيانات الرسمية أن القطاع الصناعي يحتل موقعاً محورياً في تطور الصادرات التونسية. فقد ارتفعت صادرات الصناعات الميكانيكية والكهربائية بنسبة 10.5% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، كما زادت صادرات الصناعات الفلاحية والغذائية بنسبة 22.9%.
وفي قطاع الطاقة، سجلت الصادرات ارتفاعاً قوياً بلغ 53.3%، مدفوعة خصوصاً بارتفاع مبيعات المنتجات المكررة، التي بلغت 989 مليون دينار مقابل 381.3 مليون دينار خلال الفترة نفسها من السنة السابقة. في المقابل، تراجعت صادرات قطاع النسيج والملابس والجلود بنسبة 3.6%.
وتؤكد هذه الأرقام أن السوق التونسية لا تمثل فقط وجهة للمنتجات الفرنسية، وإنما تشكل أيضاً جزءاً من منظومة صناعية متوسطية مترابطة، وهو ما يفسر استمرار الطلب على الآلات والمكونات والتكنولوجيا والخدمات الصناعية.
ليبيا.. سوق إعادة الإعمار والتحديث
أما ليبيا فتقدم نموذجاً مختلفاً. فقد ارتفعت الصادرات الفرنسية إليها بنسبة 10.3% خلال النصف الأول من 2026، وفق بيانات الجمارك الفرنسية التي أوردتها المديرية العامة للخزانة الفرنسية.
وتأتي هذه الزيادة في سياق تحسن ملحوظ في المبادلات التجارية الفرنسية الليبية، مع عودة اهتمام الشركات الفرنسية بالسوق الليبية بعد سنوات من الاضطرابات.
وتتركز فرص الأعمال أساساً في قطاعات الطاقة والكهرباء والمياه والتطهير والبناء والنقل والبنية التحتية والتجهيزات الصناعية. وهي مجالات ترتبط مباشرة بحاجات الاقتصاد الليبي إلى تحديث منشآته وتطوير قدراته الإنتاجية والخدماتية.
ويظهر هذا الاهتمام أيضاً من خلال تكثيف التحركات الاقتصادية الفرنسية. ففي سبتمبر 2026، رافقت Business France وفداً يضم 17 شركة فرنسية إلى شرق ليبيا، حيث تركزت اللقاءات على قطاعات الكهرباء والبنية التحتية والمياه وغيرها من المشاريع التنموية.
سوقان متجاوران.. وفرص تجارية مختلفة
رغم أن نسبة نمو الصادرات الفرنسية نحو البلدين متقاربة جداً، فإن طبيعة الفرص تختلف بصورة واضحة.
في تونس، يتعلق الأمر أساساً بتعميق شراكة صناعية قائمة، مستندة إلى قرب السوق من أوروبا، ووجود شركات فرنسية، وتكامل سلاسل الإنتاج، وتطور قطاع المكونات والتجهيزات الصناعية.
أما ليبيا، فتتمحور الفرص بصورة أكبر حول المشاريع الكبرى وإعادة تأهيل البنية التحتية والطاقة والمياه والتجهيزات. وبالتالي، فإن دخول السوق الليبية يتطلب نماذج مختلفة من الشراكة والتمويل وإدارة المشاريع وفهم بيئة الأعمال المحلية.
وبالنسبة إلى الشركات الفرنسية الصغيرة والمتوسطة والشركات متوسطة الحجم، يمكن أن تمثل السوقان مسارين مختلفين للتوسع الخارجي: تونس عبر التكامل الصناعي وسلاسل القيمة، وليبيا عبر مشاريع التنمية والتحديث والبنية التحتية.
شمال إفريقيا يعزز جاذبيته التجارية
تأتي هذه الدينامية في سياق أوسع يشهد استمرار أهمية شمال إفريقيا بالنسبة إلى الشركات الفرنسية. فالقرب الجغرافي، وتكاليف النقل، والتكامل الصناعي، وحجم الاحتياجات الاستثمارية، كلها عوامل تدفع الشركات إلى البحث عن فرص جديدة في الأسواق المتوسطية.
وتبرز تونس في هذا المشهد باعتبارها قاعدة صناعية مرتبطة بقوة بالسوق الأوروبية. أما ليبيا، فتتميز بحجم احتياجاتها في الطاقة والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
وعليه، فإن ارتفاع الصادرات الفرنسية بنسبة 10.2% نحو تونس و10.3% نحو ليبيا خلال النصف الأول من 2026 لا يعكس واقعاً اقتصادياً موحداً، بل يكشف عن مسارين تجاريين مختلفين داخل منطقة واحدة: شراكة صناعية متقدمة في تونس، وفرص مرتبطة بالتنمية وإعادة التأهيل والتحديث في ليبيا.
وتشير هذه المعطيات إلى أن سنة 2026 تشكل مرحلة جديدة في تطور المبادلات الفرنسية مع البلدين، مع استمرار ارتباط آفاق النمو بتطور الطلب الداخلي، والاستثمار، والبيئة الاقتصادية، وبالنسبة إلى ليبيا بشكل خاص، بتطور ظروف ممارسة الأعمال والمشاريع الكبرى.


