أعادت تداعيات الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة خلال يوليوز الماضي ملف العلاقات المغربية الأوروبية إلى صدارة النقاش في إسبانيا، بعدما برزت مطالب سياسية ومهنية تدعو إلى مراجعة اتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، في مقابل تمسك الحكومة الإسبانية باستمرار التعاون مع الرباط، بالنظر إلى الأبعاد الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية التي تحكم هذه العلاقات.
وفي مقدمة الجهات المطالبة بإعادة النظر في الاتفاق، برزت جمعية منظمات منتجي ومصدري الفواكه والخضروات في ألميريا (Coexphal)، التي دعت إلى مراجعة عميقة للإطار التجاري القائم، معتبرة أن المنتجين الإسبان يواجهون اختلالات في شروط المنافسة أمام المنتجات المغربية. وأكدت الجمعية، في تصريحات حديثة، أن موقفها لا يستهدف إنهاء العلاقات التجارية مع المغرب، وإنما ضمان تكافؤ شروط المنافسة واحترام الالتزامات المرتبطة بالاتفاق.
ونقلت وكالة «أوروبا بريس» عن لويس ميغيل فيرنانديز، مدير الجمعية، قوله إن القطاع الزراعي الإسباني يريد اتفاقاً يضمن المنافسة في ظروف متكافئة، مشيراً إلى أن الجمعية ترى أن عدداً من الالتزامات المرتبطة بالإطار التجاري الحالي لا يتم تطبيقها بالشكل الذي تعتبره مناسباً. وتشمل المطالب التي طرحتها الجمعية، وفق تصريحاتها، مراجعة شروط الاستيراد والرسوم والاشتراطات المتعلقة بالمعايير الصحية والبيئية والتتبع.
وتزامن هذا الموقف المهني مع تحركات سياسية داخل إسبانيا وعلى المستوى الأوروبي، حيث دعا حزب «فوكس» إلى تعليق اتفاقيات التعاون بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، بينما طالب نواب من الحزب الشعبي بمراجعة العلاقات مع الرباط، في سياق سياسي ارتبط بتداعيات أزمة سبتة. كما شهد البرلمان الأوروبي في 17 شتنبر تصويتاً على قرار يتناول الأزمة والعلاقة مع المغرب، مع طرح إمكانية تعليق اتفاقية الشراكة، دون أن يعني ذلك تعليق الاتفاق فعلياً.
وفي المقابل، تتبنى الحكومة الإسبانية موقفاً مختلفاً، إذ رفض وزير الزراعة والصيد البحري والأغذية، لويس بلاناس، فكرة تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، معتبراً أن الإقدام على هذه الخطوة سيكون خطأً كبيراً، ومشدداً على الطابع الاستراتيجي للعلاقة بين الجانبين، ليس فقط في المجال الاقتصادي، وإنما أيضاً في ملفات الهجرة والأمن.
ويستند الموقف الإسباني، من بين عوامل أخرى، إلى الوزن الذي تمثله المبادلات التجارية مع المغرب. فقد أشار بلاناس إلى أن حجم التجارة بين البلدين يتجاوز 22.5 مليار يورو سنوياً، مؤكداً أن إسبانيا تعد الشريك التجاري الأول للمغرب.
ولا تقتصر أهمية هذه العلاقات على المبادلات الفلاحية، إذ تشمل مجالات اقتصادية متعددة، فيما يمثل اتفاق الشراكة الإطار القانوني المركزي للعلاقات الاقتصادية والسياسية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب. وتظهر البيانات الأوروبية أن إجمالي تجارة السلع بين الاتحاد والمغرب بلغ 62.2 مليار يورو سنة 2025، ما يعكس الوزن الذي تحتله العلاقات التجارية بين الجانبين.
وفي هذا السياق، يدافع بلاناس عن استمرار قنوات التعاون مع الرباط، معتبراً أن الشراكة القائمة تخدم المصالح الإسبانية وتوفر إطاراً للتعاون في ملفات تتجاوز التجارة، في وقت تستمر فيه تداعيات أزمة سبتة في تغذية النقاش السياسي داخل إسبانيا والمؤسسات الأوروبية حول مستقبل العلاقة مع المغرب.
ويأتي هذا الجدل في ظل استمرار تباين المواقف داخل إسبانيا وأوروبا بشأن كيفية التعامل مع العلاقات مع المغرب، بين أطراف تدفع نحو مراجعة بعض بنود الاتفاق وشروط المنافسة، وأخرى ترى أن الحفاظ على إطار الشراكة والتعاون يمثل أولوية بالنظر إلى تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية والهجرية بين الطرفين.




