وراء الشعارات الانتخابية وسباق حصد الإعجابات، تحول استثمار الأحزاب السياسية المغربية على شبكات التواصل الاجتماعي إلى سوق مالي قائم بحد ذاته. بين نزيف العملة الصعبة نحو عمالقة التكنولوجيا (Big Tech)، واستفادة شركات التسويق الرقمي المحلية، والرقابة الصارمة للمجلس الأعلى للحسابات، نغوص في عمق صناعة التأثير السياسي التي تشهد تحولاً جذرياً.
خريطة الاستثمارات: ماذا تكشف أرقام منصة Meta؟
في المشهد الاقتصادي والسياسي الوطني، شهدت ميزانيات التواصل الحزبي تحولاً هيكلياً. فقد ولى زمن الاعتماد المباشر والشبه حصري على الملصقات الحضرية، وتوزيع المناشير، والتجمعات الخطابية الحاشدة. اليوم، انتقلت المعركة الانتخابية إلى خوارزميات شركة «ميتا» (فيسبوك وإنستغرام).
ويكشف فحص تقارير الشفافية الصادرة عن مكتبة الإعلانات (Meta Ad Library) عن تفاوت مالية واضح بين الهيئات السياسية:
- التجمع الوطني للأحرار (RNI) في الصدارة: خلال الذروة الانتخابية الأخيرة، تجاوزت ميزانية التمويل الإعلاني المباشر لحزب التجمع الوطني للأحرار حاجز 210,000 دولار أمريكي (أكثر من 2.1 مليون درهم) على منصات ميتا. ويواصل الحزب هذا الاستثمار حتى خارج الفترات الانتخابية للحفاظ على الحضور الرقمي لعلامته السياسية.
- حزبا الأصالة والمعاصرة (PAM) والاستقلال (PI): تراوحت ميزانيات الإعلانات الممولة لحزب الأصالة والمعاصرة بين 60,000 و80,000 دولار، بينما سجل حزب الاستقلال استثمارات بين 40,000 و55,000 دولار موجهة لشرائح محددة.
- تكلفة الظهور الرقمي (CPM/CPC): في السوق المغربي، يتراوح متوسط تكلفة ألف ظهور (CPM) للمحتوى السياسي بين 1.50 و3.50 دولار، بينما تتراوح تكلفة النقرة (CPC) بين 0.08 و0.18 دولار. وتتيح ميزانية ضخ بقيمة 100,000 درهم الوصول إلى ما بين 3 و5 ملايين مستخدم فريد على المحور الحضري الرئيسي.
- الاستهداف الجغرافي الفائق: أكثر من 45% من الإنفاق الإعلاني للأحزاب يتركز في المحور الحضري ذات الرهان الاقتصادي القوي (القنيطرة-الرباط-الدار البيضاء)، مع إعطاء الأولوية للفئة العمرية بين 18 و35 سنة.
جدول 1: تقديرات الإنفاق الإعلاني على منصات Meta حسب الأحزاب السياسية المغربية
| الحزب السياسي | الميزانية التقديرية (بالدولار) | نطاق الاستهداف الأولي |
| التجمع الوطني للأحرار (RNI) | + 210,000 $ | وطني / محور الدار البيضاء-الرباط |
| الأصالة والمعاصرة (PAM) | 60,000 $ – 80,000 $ | المراكز الحضرية الكبرى |
| حزب الاستقلال (PI) | 40,000 $ – 55,000 $ | جهوي / حضري |
| العدالة والتنمية / الاتحاد الاشتراكي / التقدم والاشتراكية | 10,000 $ – 30,000 $ | استهداف فئوي محدد |
الدعم العمومي ونزيف العملة الصعبة
من منظور مالي واقتصاد كلي، يطرح التحول الرقمي للحملات السياسية أسئلة جوهرية حول وجهة أموال الإعلانات:
- تحويل رؤوس الأموال نحو عمالقة التكنولوجيا: تغادر الأموال المخصصة للإعلانات السياسية الدورة الاقتصادية الوطنية مباشرة لتصب في حسابات شركة (Meta Ireland Ltd) في دبلن، مما يشكل تدفقاً للعملة الصعبة ممولاً في جزء كبير منه من المال العام.
- ثقل الدعم العمومي المقدم من الدولة: وفقاً لتقارير المجلس الأعلى للحسابات، تغطي الدولة ما بين 53% و58% من الموارد الإجمالية للأحزاب السياسية (عبر الدعم السنوي وتمويل الحملات). وبالتالي، يتم تحويل جزء غير يسير من هذا الدعم العمومي إلى فواتير لصالح شركات التكنولوجيا الأجنبية.
- انعكاس إيجابي على قطاع التسويق الرقمي المحلي: رغم أن شراء المساحات الإعلانية يذهب للخارج، فإن هندسة الحملات (صناعة المحتوى، المونتاج، إدارة المجتمعات والإنصات الرقمي) تخلق دينامية اقتصادية محلية تستفيد منها وكالات التواصل والاستشارات بالدار البيضاء والرباط.
| رأي المؤسسات الرقابية: المجلس الأعلى للحسابات يشدد الخناق مع ارتفاع وتيرة الإنفاق الرقمي، كثف المجلس الأعلى للحسابات من إجراءات الافتحاص وتدقيق حسابات الحملات. وإذا كانت الفواتير الرقمية الصادرة عن ميتا تقدم إثباتاً مادياً على صرف الأموال، فإن المؤسسة الرقابية أضحت تطرح تساؤلات حول النجاعة والعائد على الاستثمار (ROI) الخاص بالدراسات وخدمات التواصل الرقمي الممولة من مالية الدولة. |
هندسة المحتوى وسباق المردودية: التسويق السياسي في العمل
لضمان أقصى نجاعة لكل درهم مستثمر، اقتبست الإدارات المركزية للأحزاب تقنيات القطاع الخاص والتجارة الإلكترونية:
- الفيديوهات القصيرة والدارجة العملية: تم التخلي عن الخطابات الطويلة والرسائل الجافة لصالح مقاطع فيديو قصيرة (Reels/Shorts) مصممة بالدارجة المغربية، بهدف رفع نسبة المشاهدة الكاملة وخفض تكلفة الوصول لكل مشاهد.
- اختبارات المقارنة (A/B Testing): قبل ضخ ميزانيات ضخمة، تقوم الأطقم الرقمية بنشر عدة نسخ مختلفة من المقاطع والصور لتحديد النسخة التي تحقق أقل تكلفة للنقرة (CPC) لتركيز الدفع المالي عليها.
- إدارة الأزمات وهيمنة النشر: في أوقات الأزمات والجدل، يتيح الضخ المالي المكثف للإعلانات للأحزاب ملء شاشات المستخدمين برسائل موجهة ومدروسة، للحد من تأثير الحملات المضادة أو الأزمات التواصلية.
- السيادة الرقمية وتوازن الصحافة الوطنية
يطرح هذا التحول نحو المنصات الأمريكية تحديين استراتيجيين للمغرب:
من جهة، يظل مدى احترام تشريعات حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (القانون 09-08) تحت مجهر اللجنة الوطنية (CNDP) في ظل الاستهداف السلوكي الدقيق. ومن جهة أخرى، فإن هجرة الميزانيات الإعلانية السياسية نحو الشركات العابرة للحدود تحرم وسائل الإعلام والصحافة الوطنية من مبالغ مالية مهمة، مما يززيد من تضييق الخناق على النموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية المحلية.
لم يعد التواصل السياسي في المغرب مجرد خطابات إلقائية، بل تحول إلى صناعة عالية التكنولوجيا تعتمد على البيانات، وضبط الميزانيات، وحسابات الخوارزميات. بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين، يعكس هذا التحول النضج الرقمي للمملكة، لكنه يتطلب في المقابل تفكيراً عميقاً لخلق إيكولوجيا رقمية سيادية وتتبعاً دقيقاً للمال العام المستثمر على المنصات الأجنبية.




