أحدث المقالات

نحالو الشمال يدقون ناقوس الخطر: هل يهدد “الدبور الشرقي” أمننا الغذائي؟

من وراء خلايا النحل المتراجعة في طنجة وتطوان والمضيق والفنيدق، تختبئ معادلة اقتصادية أكبر بكثير من قطاع العسل وحده: فالنحل يقف خلف تلقيح الجزء الأكبر من المحاصيل الزراعية. ونحالو الشمال، الذين يرون مناحلهم تتقلص منذ 2023 بفعل زحف حشرة مفترسة قادمة من الشرق، يطالبون اليوم بتدخل مؤسساتي عاجل قبل أن يتحول تحدٍ قطاعي إلى أزمة فلاحية أوسع.

وجه مهنيو تربية النحل بمناطق شمال المملكة نداء عاجلا إلى وزارة الفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات، للتدخل بشكل مؤسساتي أمام ما وصفوه بظروف استثنائية يعيشها القطاع، نتيجة الانتشار المتزايد لحشرة “الدبور الشرقي” (Vespa orientalis) منذ تسجيل أولى حالات ظهورها سنة 2023.

تراجع في الطرود والإنتاج منذ سنتين

وفق معطيات ميدانية قدمها النحالون، أصبح هذا الكائن المفترس يشكل تهديدا مباشرا لسلامة الخلايا واستمراريتها، حيث أدى انتشاره إلى تراجع ملحوظ في أعداد طرود النحل وفقدان عدد غير هين من المناحل. وانعكس ذلك مباشرة على مستوى الإنتاج، الذي تراجع، بحسب المهنيين، إلى أدنى مستوياته خلال السنتين الأخيرتين.

هذا التحذير المهني يأتي في سياق توثيق علمي متزايد لهذه الظاهرة: فقد أكدت دراسة علمية نُشرت سنة 2026، استنادا إلى عمليات رصد ميداني أُنجزت خلال 2025، وجود واستقرار كل من الدبور الشرقي والدبور الأوروبي (Vespa crabro) بشمال المغرب – وهو أول توثيق علمي من نوعه لجنس “Vespa” بالمملكة. كما دعا مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة، في بلاغ سابق له، إلى إطلاق عملية رصد ميداني عاجلة للتحقق من حجم هذا الانتشار، محذرا من أن غياب خرائط دقيقة يصعّب اليوم تقدير حجم الظاهرة الفعلي.

رهان اقتصادي يتجاوز قطاع العسل

يربط النحالون خطورة الوضع بمعطى اقتصادي أوسع نطاقا: فالنحل، وفق ما يؤكدونه، مسؤول عن تلقيح ما يصل إلى 80 في المائة من المحاصيل الزراعية – وهو ما يجعل أي تراجع حاد في أعداد الطرود تهديدا لا يقتصر على إنتاج العسل، بل يمتد، بحسب هذا التقدير المهني، إلى سلسلة الإنتاج الفلاحي وسؤال الأمن الغذائي في مناطق بأكملها. ويلتقي هذا الهاجس مع تحذيرات المصادر العلمية والبيئية، التي تشير إلى أن الدبور الشرقي حشرة مفترسة قادرة على استهداف نحل العسل بشكل مباشر عند مداخل الخلايا، مع مؤشرات علمية أولية حول إمكانية مساهمته في نقل مسببات أمراض بين المناحل.

مجهودات ذاتية بلغت سقفها

يشير المهنيون إلى أنهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام الظاهرة، إذ طوروا مبادرات جماعية وتوعوية بالإمكانيات الذاتية المتاحة للحد من آثار هذا المتطفل. غير أنهم يقرون بأن حجم الظاهرة الميدانية بات يتجاوز قدرة المبادرات الفردية والجماعية المعزولة، وبات يتطلب إطارا مؤسساتيا شاملا للتصدي له بفعالية. وهو تشخيص يتقاطع مع دعوة مرصد البيئة بطنجة إلى اعتماد تدبير علمي منظم للظاهرة، بدل اللجوء إلى مكافحة عشوائية قد تضر بالتوازن البيولوجي المحلي.

أربع مطالب على طاولة وزارة الفلاحة

في بلاغهم، حدد النحالون أربع أولويات يرون أنها ضرورية لمواجهة الظاهرة بشكل فعال:

  • اعتماد استراتيجية وطنية مؤطرة لمكافحة الدبور الشرقي والحد من انتشاره؛
  • إيفاد لجان تقنية لمعاينة حجم الخسائر والوقوف ميدانيا على واقع المناحل المتضررة؛
  • توفير الآليات والوسائل اللوجستية المعتمدة للمكافحة بين أيدي النحالين؛
  • إحداث برامج دعم وتعويض لفائدة المتضررين، لمساعدتهم على إعادة استئناف نشاطهم.

وتلتقي هذه المطالب جزئيا مع ما سبق أن دعا إليه مرصد البيئة بطنجة من إحداث آلية جهوية للرصد والإنذار المبكر، تجمع المصالح المختصة والسلطات المحلية والجامعات – وعلى رأسها جامعة عبد المالك السعدي – ومهنيي تربية النحل وفعاليات المجتمع المدني، في برنامج علمي جهوي لتتبع دينامية انتشار الحشرة وتقييم آثارها البيئية والاقتصادية والصحية.

في انتظار رد مؤسساتي

حتى إعداد هذا التقرير، لم يصدر عن وزارة الفلاحة والتنمية القروية والمياه والغابات أي رد رسمي على هذا النداء. ويبقى حجم الخسائر الفعلي للقطاع، في غياب لجان تقنية ميدانية معلنة النتائج، غير محدد بدقة إلى حدود الساعة – وهو ما يجعل من تفعيل آليات الرصد والتقييم المطلوبة من طرف المهنيين والمرصد البيئي على حد سواء خطوة أولى حاسمة لقياس حجم التحدي قبل التفكير في أي استراتيجية وطنية للتصدي له.

قد يعجبك ايضا