أحدث المقالات

في المغرب، كل مناسبة تكشف نفس العقلية: استغلال ضرورة الآخرين

لم يعد الحديث عن غلاء الاصطياف في المغرب مقتصرا على موسم دون آخر. فمع كل صيف، ومع كل عيد، ومع كل دخول مدرسي، يتكرر نفس السيناريو: طلب متصاعد يقابله عرضٌ يتمدد في الأسعار أكثر مما يتمدد في الجودة أو الكم. صيف 2026 قدّم نموذجا صارخا لهذه المعادلة: شقق كراء عادية، بلا مسبح ولا أي امتياز إضافي، بلغت أسعارها في بعض المناطق الشمالية والساحلية حدودا لم تعد تقل عن 1200 درهم لليلة الواحدة، وهو رقم يفوق بكثير الدخل اليومي لشريحة واسعة من الأسر المغربية، خصوصا حين يتجاوز عدد أفراد الأسرة الثلاثة.

الهيئات الرسمية نفسها لم تعد تنفي الظاهرة. فقد أكدت جهات معنية بحماية المستهلك أنها تتلقى خلال كل فترة صيفية عددا من شكايات المواطنين المتعلقة أساسا بارتفاع مفاجئ في أسعار كراء أماكن الإيواء والخدمات السياحية، محذرة من أن استمرار هذه الممارسات يبعث برسائل سلبية قد تنعكس سلبا على إقبال المغاربة على وجهاتهم الداخلية، خصوصا الأسر محدودة الدخل.

الجانب الاقتصادي: عرضٌ محدود أمام طلب مضاعف

الفهم الاقتصادي الأول لهذه الظاهرة بسيط في ظاهره: الطلب على الإيواء يتضاعف في الصيف بفعل عاملين متزامنين هما العطلة المدرسية وعودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، في حين يبقى العرض من الفنادق والشقق المفروشة محدودا نسبيا، وهو ما يخلق ضغطا تلقائيا على الأسعار. هذا بالضبط ما ترصده تقارير اقتصادية متابعة للقطاع، حين تشير إلى أن ارتفاع أسعار السياحة الداخلية مطلع كل موسم صيفي يعود إلى زيادة الطلب الناتجة عن العطلة المدرسية وعودة الجالية، في مقابل محدودية العرض المتاح من وسائل الإيواء.

غير أن هذا التفسير “الكلاسيكي” لقانون العرض والطلب لا يفسر وحده كل شيء، إذ تكشف معطيات ميدانية عن مفارقة لافتة: فبينما تصعد الأسعار، تتراجع في المقابل نسب الإقبال الفعلي. تقارير من مدن ساحلية أكدت أن ارتفاع أسعار الفنادق والشقق المفروشة إلى جانب تكاليف النقل والمطاعم والأنشطة جعل قضاء أيام معدودة على الشاطئ يتطلب ميزانية تفوق إمكانيات شريحة واسعة من المواطنين، ما دفع أسرا كثيرة إلى تقصير مدة إقامتها أو تأجيل عطلتها إلى نهاية الموسم أملا في انخفاض الأسعار.

والأدهى أن هذا “التصحيح الذاتي” للسوق بدأ يظهر فعليا في مناطق الشمال نفسها، حيث لاحظ مهنيون في مدن طنجة وتطوان والمضيق والفنيدق والحسيمة أن القطاع سجل انخفاضا ملموسا وركودا في الحركة السياحية وتراجعا في نسب ملء الحجوزات، رغم وصول موسم الاصطياف إلى ذروته منتصف يوليوز، في مؤشر على أن الأسعار المبالغ فيها بدأت تصطدم بسقف القدرة الشرائية الحقيقية للأسر. بعبارة أخرى: الاستغلال قصير النظر قد يربح موسما، لكنه يخسر السوق على المدى المتوسط.

عنصر آخر يعقّد الصورة الاقتصادية: تسعير بعض الوسطاء للكراء بعملة اليورو بدل الدرهم، رغم أن العقار موجود داخل التراب الوطني، وهي ممارسة اعتبرها متابعون مؤشرا على استهداف أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج والسياح الأجانب، لكن أثرها الجانبي هو رفع السقف السعري العام الذي تصطدم به الأسرة المغربية العادية أيضا، حتى لو لم تكن هي المستهدفة أصلا بهذا التسعير.

من الشاطئ إلى المحفظة: نفس المنطق في مناسبات أخرى

ما يجعل الظاهرة أعمق من كونها “غلاء سياحيا” عابرا هو تكرارها بحذافيرها في كل موعد اجتماعي جماعي. فمع اقتراب الدخول المدرسي، تعود ذات الدينامية: أزيد من 8 ملايين تلميذة وتلميذ يستعدون للعودة إلى الدراسة، وتشير تقديرات إلى أن فاتورة الدخول المدرسي 2026-2027 قد تصل إلى 4000 درهم للأسرة الواحدة. جمعيات حماية المستهلك عبّرت عن قلقها من هذا المنحى، معتبرة أن الارتفاع المستمر في أسعار المقررات واللوازم المدرسية يشكل عبئا إضافيا على الأسر، خصوصا مع تزايد الشكاوى من ممارسات تجارية غير قانونية لبعض الباعة. والأخطر أن هذا العبء لا يبقى في حدود الميزانية العادية، بل يدفع، بحسب مسؤولين في القطاع، جزءا من الأسر إلى الاستدانة عبر مؤسسات القروض الصغرى لتغطية مصاريف لا تحتمل التأجيل.

نفس المنطق يتكرر مع كل موعد آخر: أثمنة الأضاحي التي تقفز عشية عيد الأضحى، أجرة الخياطين قبيل عيد الفطر، وأسعار مواد العطارة في رمضان، ووسائل النقل كلما اشتد الطلب في المواسم أو الأعياد أو موسم الدخول الجامعي. القاسم المشترك بين كل هذه الحالات ليس فقط “قانون السوق”، بل توقيتٌ محسوب بدقة يستغل حاجة اجتماعية أو دينية أو تربوية لا يمكن للأسرة تأجيلها أو الاستغناء عنها.

الجانب السوسيولوجي: حين يصبح الانتهازي “فاعلا اقتصاديا عاديا”

هنا يبرز البعد الثاني للظاهرة، وهو بعد سلوكي واجتماعي بامتياز. فما يميز هذه الحالات عن التقلبات الاقتصادية العادية هو أنها لا تخص سلعا نادرة أو مستوردة بالضرورة، بل غالبا خدمات محلية بسيطة (شقة، خياطة، عطارة، نقل) يتحكم في تسعيرها فاعلون أفراد أو مقاولات صغرى، دون رقابة صارمة أو محاسبة فعلية. هذا الفراغ الرقابي يحوّل “الفرصة” الموسمية عند البعض إلى ما يشبه سلوكا جماعيا مُطبَّعا اجتماعيا: كل قطاع يبرر ارتفاعه بارتفاع القطاع المجاور، في حلقة تضخم تُبرَّر ذاتيا دون أن يشعر أي طرف بالمسؤولية الفردية عنها.

هل يتعلق الأمر بـ”عقلية” مغربية خالصة؟ الفكرة مغرية، بل إنها تتردد فعليا في تعليقات المواطنين أنفسهم على مواقع التواصل، حيث يتبادل الجميع الاتهامات: صاحب الشقة يتهم التاجر، التاجر يتهم سائق النقل، وسائق النقل يتهم الدولة. لكن اختزال الظاهرة في “طبع جماعي” ثابت يكون سهلا أكثر مما هو دقيق، لأنه يخفي جوهر المشكلة: ليست طبيعة جامدة، بل ردّة فعل تُغذَّى باستمرار. تتكرر لأنها لم تُعاقَب يوما، ولأنها تُدرّ ربحا أكبر من كلفتها، ولأن كل فاعل يجد في “استغلال” الجار المجاور مبررا لفعل الشيء نفسه. وهذه بالضبط هي الآلية — استغلال حاجة الآخر في اللحظة التي لا يملك فيها لا التفاوض ولا الانتظار — التي تحوّل سلوكا فرديا معزولا إلى ما يشبه “ثقافة موسمية” متجذرة، تتكرر كل سنة، من مناسبة إلى أخرى، دون أن يشعر أي طرف بمسؤوليته الفردية فيها.

  • ضعف آليات الردع: غياب عقوبات رادعة أو مراقبة ميدانية كافية يجعل تكلفة “الاستغلال” أقل بكثير من عائده، ما يشجع على تكراره موسما بعد آخر دون تغيير حقيقي في السلوك.
  • منطق “الفرصة لا تعوض”: في اقتصاد غير رسمي واسع، يرى كثير من الفاعلين الصغار في المناسبة الموسمية نافذة ربح وحيدة ومحدودة زمنيا، فيسعون لتعظيمها بأقصى ما يمكن، حتى لو كان الثمن تراجع الثقة أو خسارة الزبون لاحقا.
  • التطبيع الجماعي مع الظاهرة: حين يصبح رفع الأسعار في المواسم “عرفا” متوقعا لدى الجميع، تضعف المقاومة الاجتماعية له، ويتحول النقاش من “هل هذا مقبول؟” إلى “كم سيكون الغلاء هذه السنة؟”، وهو ما يكرّس الظاهرة بدل أن يواجهها.

حين يضرب الاستغلال السوق نفسه

المفارقة الأخيرة، والأكثر دلالة، هي أن هذا النمط من “الاستغلال قصير المدى” بدأ يضرب القطاع الذي يفترض أنه المستفيد الأول منه. فتراجع الحجوزات في مناطق الشمال رغم أوج الموسم، وتفضيل أسر كثيرة تقصير عطلها أو التخلي عنها كليا، يظهران أن السياحة الداخلية ليست مجرد نشاط تجاري معزول، بل هي، كما تصفها تحليلات متابعة للقطاع، رافعة اجتماعية وتنموية ترتبط مباشرة بحق الأسر المغربية في الراحة داخل وطنها. حين يتحول هذا الحق إلى عبء مالي يفوق الطاقة، فإن الخاسر ليس الأسرة وحدها، بل القطاع بأكمله على المدى الطويل.

ظاهرة استغلال المواسم والمناسبات في المغرب، من الشاطئ إلى المحفظة المدرسية مرورا بالأضحية وثوب العيد، ليست مجرد “غلاء” عابر يمكن تفسيره بالعرض والطلب فقط، بل هي عرض لخلل بنيوي يجمع بين ضعف التأطير الاقتصادي والرقابي من جهة، وسلوك اجتماعي انتهازي متجذر يستثمر في حاجة الناس الموسمية من جهة أخرى. وما دامت المعادلة قائمة على غياب المحاسبة وتطبيع الاستغلال كـ”عرف” سنوي، فإن كل موسم جديد سيعيد إنتاج نفس القصة: فرحة مؤجلة، وفاتورة لا ترحم.

قد يعجبك ايضا