تجدد السجال الاقتصادي والاجتماعي بشدة مع مطلع صيف 2026. فبعد أن تجاوزت الأسعار عند المضخة في منتصف مارس الماضي حدوداً مقلقة (12.81 درهماً للتر الغازوال و13.95 درهماً للبنزين غير المكون من الرصاص)، تخطت الأسعار عتبات جديدة تحت ضغط التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتقلبات الأسواق العالمية. واليوم، تجاوز سعر الغازوال 14 درهماً للتر الواحد بنحو 20 سنتيماً (14.20 درهماً)، مقابل ما يفوق 15 درهماً للتر من البنزين و”البنزين الممتاز” في مختلف محطات التوزيع بالمملكة.
هذه الموجة الجديدة أعادت إشعال النقاش السياسي؛ حيث ارتفعت الأصوات داخل المؤسسة التشريعية للمطالبة بفرض تسقيف صارم للأسعار وإعادة تشغيل أصول شركة “سامير”، مما أدى إلى مواجهة بين أنصار التدخل الحكومي والمدافعين عن حرية السوق.

وكانت مجلس المستشارين قد حسم في 17 يونيو 2026 رفض مقترحات القوانين المتعلقة بالتسقيف وإعادة تشغيل “سامير” بأغلبية 29 صوتاً مقابل 10 أصوات. لكن جوهر النقاش يظل قائماً؛ فبين الضغط على القدرة الشرائية، والملاحظات الموجهة لهوامش أرباح الموزعين، وحتمية الاستقرار المالي للدولة، لا يُعتبر قرار التدخل الحكومي مجرد إجراء تقني بسيط.
انتظارات السوق: عندما يصبح التسقيف حلم المنال
تحرير خضع لظروف صعبة
لفهم حدة السجال الراهن، ينبغي العودة إلى الأول من ديسمبر 2015، تاريخ التحرير الكامل لأسعار المحروقات بالمغرب. كان سعر لتر الغازوال حينها يناهز 7.98 دراهم، بينما تراوح سعر البنزين بين 9.20 و9.30 دراهم. وكان الوعد الحكومي يستند إلى أن المنافسة الكفيلة بتخفيض الأسعار، كما حدث في قطاع الاتصالات بداية الألفية.
بعد مرور أكثر من عقد، يبدو التقييم الميداني متبايناً؛ إذ تضاعفت الأسعار تقريباً. وتزامن هذا التحرير مع توقف مصفاة “سامير”، التي كانت تؤمن نحو 64% من حاجة السوق الوطنية وتلعب دور المنسق والمعدل البنيوي. وهو ما جعل مجلس المنافسة يصف عملية التحرير بأنها “لم تحظ بالتحضير الكافي”.
هوامش الربح تحت مجهر المؤسسات الرقابية
تظهر معطيات مجلس المنافسة المتلاحقة أن السوق خاضع لتركيز عالٍ تُسيطر فيه تسع شركات كبرى على معظم المبيعات. وأشارت التقييمات الفصلية للمجلس إلى أن هامش الربح الإجمالي المجمع يتراوح بين 1.24 و1.48 درهم/لتر بالنسبة للغازوال، وبين 1.95 و2.10 درهم/لتر للبنزين، مع متوسط هامش ربح صافٍ يناهز 2.9% (حوالي 43 سنتيماً للغازوال و61 سنتيماً للبنزين).
بالنسبة للجمعيات المهنية وحماية المستهلك، فإن عدم تماثل التفاعل (تجاوب سريع بالارتفاع عند صعود الأسواق الدولية مقابل بطء في الخفض عند الانخفاض) هو ما يبرر في نظر المدافعين عن التسقيف تفعيل المادتين 2 و4 من القانون 104-12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة لإعادة تحديد سقف مؤقت للأسعار والهوامش.
الأثر المباشر على القدرة الشرائية
تتعدى القضية كلفة ملء خزان السيارة لتصيب عمق الاقتصاد الوطني؛ فالغازوال هو الوقود الأساسي لأسطول نقل البضائع والمسافرين، وكل زيادة بقيمة سنتيمات معدودة تتسبب مباشرة في رفع تكاليف اللوجستيك، ومِن ثَمَّ زيادة أسعار المنتجات الاستهلاكية وتغذية التضخم المستورد.
الواقع المالي: بين ذاكرة المقاصة والإكراهات التشريعية
شبح الدعم غير الموجه
يستند العائق الأساسي الذي تطرحه الحكومة لرفض خيار التسقيف إلى تجربة كلفة “صندوق المقاصة”. فعلى مدى عقود، استنزف نظام الدعم الشامل مبالغ باهظة للحفاظ على أسعار المحروقات عند مستويات منخفضة اجتماعياً، غير أنه أدى إلى دعم أعمى يستفيد منه أصحاب الدخل المرتفع بقدر ما تستفيد منه الفئات الهشة.
إن إعادة إقرار التسقيف دون تحديد آليات استهداف واضحة يفرض على الميزانية العامة تغطية الفارق لشركات التوزيع، وهو ما سيضغط على الموارد المالية الموجهة للقطاعات الاجتماعية ذات الأولوية كالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
الضوابط القانونية للقانون 104-12
يتضمن الإطار التشريعي ضوابط واضحة؛ فرغم أن المادة 4 من القانون 104-12 تتيح للحكومة اتخاذ تدابير مؤقتة لتحديد الأسعار، فإن تفعيل ذلك مشروط باستشارة استباقية لمجلس المنافسة للتحقق من المبررات الجوهرية للقرار. ويرى المجلس أن التقلبات الظرفية لأسعار النفط الدولية لا تشكل في حد ذاتها حالة استثنائية تسوغ التدخل الإداري، لما قد يسببه ذلك من اضطراب في شبكة التوزيع المستقلة ومخاطر الندرة في التزويد.
| المحور | التسقيف الإداري للأسعار | نموذج السوق المنظم |
| القدرة الشرائية | حماية فورية لكنها غير مستدامة | التأثر المباشر بتقلبات الأسواق الدولية |
| المالية العمومية | مخاطر عالية لارتفاع نفقات الدعم | الحفاظ على التوازنات الميزانياتية |
| سلامة التزويد | مخاطر انسحاب الموزعين أو حدوث ندرة | ضمان انتظام التزويد وفق آليات السوق |
الحلول البنيوية: الحكامة، التخزين والانتقال الطاقي
1. التخزين الاستراتيجي كأداة امتصاص
يُعتبر تعزيز طاقات التخزين الوطنية ليتجاوز الحد الأدنى القانوني (60 يوماً) من أهم آليات الحماية الحضرية. فالإدارة المرنة للمخزون الاستراتيجي تمكن من ضخ كميات إضافية عند ذروة التقلبات الدولية لامتصاص الارتفاعات الحادة دون الإخلال بقواعد المنافسة.
2. الدعم الموجه للمهنيين
بدلاً من حزم دعم شاملة عند المضخة، تكمن الفعالية في مواصلة وتحديث آليات الدعم المباشر لمهنيي نقل البضائع والمسافرين. يسهم هذا الدعم الموجه في تحييد الأثر على سلاسل التوريد والحد من انعكاس كلفة النقل على أسعار المواد الأساسية.
3. تسريع الانتقال الطاقي
تبقى حماية السويداء الاقتصادية للمغرب مقترنة بقدرته على تقليص التبعية للوقود الأحفوري المستورد. إن تسريع التثمين الوطني للطاقات المتجددة، وتطوير البنيات التحتية للتنقل الكهربائي، والتشجيع على التحول نحو مصادر الطاقة البديلة هي الرهانات الحقيقية لتأمين الاقتصاد الوطني ضد التقلبات الدولية.
الدولة كمنظم وموجه
إن عدم اعتماد التسقيف في المؤسسة التشريعية لا يعني التخلي عن البعد الاجتماعي، بل هو تجنب لمعالجة ظرفية قد تسبب اختلالات ميزانياتية جديدة. وتتطلب إدارة ملف المحروقات رؤية مدمجة: دعم موجه على المدى القريب، وحكامة صارمة لهوامش الربح والتخزين على المدى المتوسط، وتسريع التحول الطاقي على المدى البعيد.



