يشهد قطاع التجارة الإلكترونية تحولا متسارعا مع صعود جيل جديد من وكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين لم يعد دورهم مقتصرا على تقديم المعلومات أو مساعدة المستخدمين في البحث، بل أصبح بإمكانهم البحث عن المنتجات والخدمات، ومقارنة الخيارات المتاحة، واختيار الأنسب، وصولا إلى تنفيذ عمليات الشراء وتحويل الأموال نيابة عن المستخدم.
ويفرض هذا التطور تحولا عميقا في طريقة تعامل الشركات مع المستهلكين، بعدما أصبحت المنافسة لا تدور فقط حول جذب انتباه العميل وإقناعه بالشراء، وإنما تمتد إلى ضمان قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على الوصول إلى المنتجات وفهم خصائصها وتقييمها والتوصية بها.
وحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز»، استنادا إلى بيانات شركة «أدوبي»، ارتفعت الزيارات التي تستقبلها مواقع التجزئة الأمريكية من مصادر مرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 393 في المائة خلال سنة 2026، ما يعكس تنامي الدور الذي باتت تلعبه أدوات الذكاء الاصطناعي في توجيه المستخدمين نحو المنتجات والخدمات.
وتشير أبحاث «مورغان ستانلي» بدورها إلى أن حجم الإنفاق المتأثر بوكلاء الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى 385 مليار دولار بحلول سنة 2030، أي ما يعادل نحو 20 في المائة من إجمالي التجارة الإلكترونية في الولايات المتحدة، وهو ما يعكس اتساع نطاق التحول المرتقب في آليات الشراء الرقمي.
ولا يقتصر تأثير هذه التكنولوجيا على تجارة التجزئة، إذ بدأت ملامح التحول تظهر أيضا في قطاع الخدمات المالية، حيث يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي مقارنة المنتجات البنكية والتأمينية المتاحة وتحليلها ثم اختيار الخيارات التي تبدو أكثر ملاءمة لاحتياجات العميل بشكل آلي.
وقد ينعكس هذا التطور على إحدى المزايا التقليدية التي استفادت منها المؤسسات المالية والوسطاء لسنوات، والمتمثلة في الحفاظ على علاقة طويلة الأمد مع الزبون، إذ يمكن للأنظمة الذكية مستقبلا مقارنة عروض مؤسسات مختلفة بشكل سريع، دون أن يكون العميل مضطرا إلى الاعتماد على مؤسسة واحدة في جميع اختياراته المالية.
وفي ظل هذه التحولات، يتغير مفهوم استقطاب العملاء بالنسبة إلى الشركات، بعدما أصبح عليها التعامل مع طرف جديد في عملية اتخاذ القرار: الخوارزمية. فإلى جانب إقناع المستهلك مباشرة، بات من الضروري توفير البيانات والمعلومات التي تسمح لأنظمة الذكاء الاصطناعي بفهم المنتج وتقييمه وإدراجه ضمن توصياتها.
ويعني ذلك أن الشركات مطالبة بتقديم معلومات دقيقة ومنظمة وقابلة للمعالجة حول منتجاتها وخدماتها، بما يتيح لوكلاء الذكاء الاصطناعي التعرف إلى خصائصها ومقارنتها بالخيارات المنافسة، ثم تقديمها للمستخدم عندما تتوافق مع احتياجاته.
وتكشف تجربة شركة التجارة الإلكترونية «آر تي إيه ستور» عن بروز هذا النوع الجديد من الخدمات، بعدما دفعت نحو 15 ألف دولار لشركة «نيو جينيريشن» الناشئة لإعادة تهيئة موقعها وبيانات منتجاتها، بهدف جعلها أكثر قابلية للفهم والتعامل من جانب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتشير هذه الخطوة إلى ظهور سوق جديدة متخصصة في تحسين حضور الشركات داخل منظومات الذكاء الاصطناعي، بحيث لا يقتصر العمل على تحسين ظهور المواقع في محركات البحث التقليدية، وإنما يمتد إلى جعل المنتجات والخدمات أكثر وضوحا وقابلية للاكتشاف والتقييم من طرف وكلاء الذكاء الاصطناعي.
وبذلك، يبدو أن التجارة الإلكترونية تتجه نحو مرحلة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي وسيطا بين الشركات والمستهلكين، وهو تحول قد يعيد صياغة أساليب التسويق والبيع وبناء علاقات العملاء، ويجعل جودة البيانات وطريقة عرض المنتجات عاملا متزايد الأهمية في قدرة الشركات على المنافسة.


