مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، تفرض القضايا الاقتصادية نفسها تدريجياً في صلب النقاش العمومي بالمغرب. وخلال مشاركته في مناظرة «التحديات الاقتصادية لانتخابات 2026»، التي نظمها موقع «اقتصادكم»، قدم رياض مزور، عضو المكتب التنفيذي لحزب الاستقلال، أبرز ملامح رؤيته للاقتصاد الوطني. وقد ركزت مداخلته على مجموعة من الأولويات التي ترتبط بشكل مباشر بحياة المغاربة، من بينها ترسيخ الثقة الاقتصادية، وتثمين الإنتاج الوطني، وخلق فرص الشغل، وتطوير الكفاءات، وتحسين القدرة الشرائية، وتعزيز جاذبية الاستثمارات، ورفع فعالية الإنفاق العمومي.
ومن خلال هذه الرؤية، يدافع رياض مزور عن تصور للنمو الاقتصادي تكون فيه النتائج الاقتصادية قابلة للترجمة تدريجياً إلى فوائد ملموسة بالنسبة للمواطنين. وبالنسبة للمسؤول الاستقلالي، فإن تنمية المغرب لا تقاس فقط من خلال المؤشرات الاقتصادية الكبرى، بل يجب أن تنعكس أيضاً في خلق فرص مهنية جديدة، وتحسين المداخيل، وتعزيز النسيج الإنتاجي الوطني، وترسيخ الثقة بين المواطنين والمقاولات والمؤسسات.
تعزيز الثقة، محرك للدينامية الاقتصادية
تحتل الثقة مكانة مهمة في التصور الذي قدمه رياض مزور. فبالنسبة إليه، تشكل الثقة أحد الأسس الرئيسية لاقتصاد حديث وتنافسي. ومن شأن تعزيزها أن يواكب التحولات التي يشهدها المغرب، وأن يسهم في توفير بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار وريادة الأعمال وخلق القيمة.
ويقوم هذا التصور على رؤية تشاركية للتنمية الاقتصادية. فالدولة تعمل على توفير الظروف الملائمة للنشاط والاستثمار، بينما تساهم المقاولات من خلال قدرتها على الإنتاج والابتكار وخلق فرص الشغل، في حين يشارك المواطنون بدورهم في الدينامية الوطنية من خلال اختياراتهم الاقتصادية وأنماط استهلاكهم.
ومن هذا المنطلق، يبرز رياض مزور مفهوم «المواطنة الاقتصادية»، باعتباره مشاركة جماعية في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على النمو والتطور.
استهلاك المنتجات المغربية، خيار اقتصادي ومواطني
يشكل تثمين الإنتاج الوطني محوراً آخر في هذه الرؤية. ويدعو رياض مزور المغاربة إلى منح مكانة أكبر للمنتجات والخدمات المصنعة في المغرب، متى كانت تستجيب لحاجياتهم وانتظاراتهم.
ويمثل هذا التوجه رافعة مهمة للاقتصاد الوطني. فاختيار المنتجات المحلية يساهم في دعم المقاولات المغربية، وتعزيز النشاط الصناعي، وتقوية سلاسل القيمة الوطنية، كما يساهم في خلق فرص الشغل وتطوير مهارات وخبرات جديدة.
وتتمثل الرهان كذلك في مواصلة الارتقاء بمكانة «صنع في المغرب»، وتمكين الشركات الوطنية من تعزيز حضورها سواء في السوق الداخلية أو في الأسواق الدولية. وهكذا يصبح الاستهلاك الوطني عاملاً إضافياً لدعم الاستثمار والإنتاج والتشغيل.
تشغيل الشباب: ملاءمة الكفاءات مع حاجيات الاقتصاد
شكلت قضية تشغيل الشباب أيضاً أحد المحاور الأساسية التي تناولها رياض مزور. فالمغرب يتوفر اليوم على بيئة اقتصادية تعرف تطور قطاعات صناعية وتكنولوجية وخدماتية جديدة، بما يفتح تدريجياً آفاقاً مهنية واعدة.
وفي هذا السياق، يتمثل أحد أهم التحديات في تعزيز الملاءمة بين الكفاءات المتوفرة وحاجيات المقاولات. فالتطور السريع للمهن والتكنولوجيات يستدعي مواصلة تطوير منظومة التكوين من أجل إعداد الشباب للاستفادة من الفرص التي ترافق التحول الاقتصادي.
ويرى رياض مزور أن تعزيز التقارب بين مؤسسات التكوين والمقاولات والسلطات العمومية يمثل رافعة أساسية لتحقيق هذا الهدف. ومن شأن هذا التعاون أن يساعد على استباق حاجيات سوق الشغل من الكفاءات، وتحسين إدماج الشباب المغربي مهنياً.
الاستثمار الأجنبي: جذب الاستثمارات وتطوير الكفاءات ونقل الخبرات
يشكل الاستثمار الدولي بدوره رافعة مهمة في هذه الاستراتيجية. فبالنسبة لرياض مزور، لا ينبغي النظر إلى جاذبية المغرب فقط من خلال حجم الاستثمارات المستقطبة، وإنما أيضاً من خلال الفرص التي تتيحها هذه الاستثمارات أمام الاقتصاد الوطني.
فاستقرار مجموعات دولية بالمغرب يمكن أن يساهم في خلق وظائف مؤهلة، وتكوين الأجراء، ونقل الخبرات والتكنولوجيات، وتعزيز اندماج الكفاءات المغربية في سلاسل القيمة الدولية.
وتفتح هذه الدينامية آفاقاً مهمة أمام التطور الصناعي للمملكة، إذ تتيح للمغرب تعزيز موقعه في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، بالتوازي مع تطوير منظومة وطنية قادرة على مواكبة المستثمرين والاستجابة لمتطلبات الأسواق العالمية.
وتتمثل الطموح في تحويل جاذبية المملكة إلى رافعة حقيقية لتطوير الكفاءات والابتكار والقدرة التنافسية.
القدرة الشرائية: تحويل النمو إلى تقدم مشترك
يجد النمو الاقتصادي امتداده الطبيعي في قضية القدرة الشرائية. وفي الرؤية التي قدمها رياض مزور، ينبغي أن يترجم خلق الثروة تدريجياً إلى تحسين ظروف العيش وتوسيع الفرص المتاحة أمام الأسر.
ويهدف هذا التصور إلى تعزيز العلاقة بين الدينامية الاقتصادية والتشغيل والمداخيل والولوج إلى السلع والخدمات. فالاقتصاد القوي والمنتج يجب أن يكون قادراً على دعم الاستثمار والإنتاج والتشغيل والاستهلاك في الوقت نفسه.
وبذلك تصبح القدرة الشرائية مؤشراً أساسياً على قدرة الاقتصاد على تحويل أدائه إلى تقدم اجتماعي ملموس. وتضع هذه المقاربة المواطن بشكل مباشر في صلب تقييم السياسات الاقتصادية.
الضرائب: مواكبة النشاط وتعزيز الإنصاف
تشكل السياسة الجبائية عنصراً آخر مهماً في هذا التصور. ويتمثل الهدف في بناء منظومة ضريبية قادرة على مواكبة الدينامية الاقتصادية، مع ضمان مساهمة عادلة لمختلف الفاعلين.
وفي هذا الإطار، يمكن للسياسة الجبائية أن تساهم في تعزيز تنافسية المقاولات، وتشجيع الاستثمار، ودعم خلق فرص الشغل، مع تمكين الدولة من الموارد الضرورية لتمويل السياسات العمومية.
وتندرج هذه الرؤية ضمن مقاربة شاملة تتكامل فيها الجبايات والاستثمار والتنمية الاقتصادية من أجل دعم النمو الوطني بشكل مستدام.
الاستثمار العمومي في خدمة المجالات الترابية
تمثل فعالية الاستثمار العمومي بدورها أحد الرهانات المهمة. فالموارد التي تعبئها الدولة تواصل مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب، وتعزيز البنيات التحتية الضرورية للتنمية الاقتصادية.
وتؤدي الاستثمارات العمومية دوراً هيكلياً في مجالات البنيات التحتية، والربط والاتصال، والتجهيزات، والخدمات، وتهيئة المجالات الترابية. كما تساهم في توفير بيئة ملائمة للاستثمار الخاص وظهور أنشطة اقتصادية جديدة.
ومن هذا المنظور، فإن التكامل بين الاستثمار العمومي والاستثمار الخاص يشكل أحد المحركات الأساسية لنمو اقتصادي مستدام وشامل.
رؤية اقتصادية تضع المواطن في قلب المعادلة
من خلال مداخلته، قدم رياض مزور رؤية تقوم على اعتبار مختلف مكونات الاقتصاد الوطني عناصر متكاملة لتحقيق هدف واحد: ضمان استفادة المواطنين بشكل كامل من الدينامية الاقتصادية التي يعرفها المغرب.
فالإنتاج الوطني، والتشغيل، والكفاءات، والاستثمار، والابتكار، والجبايات والقدرة الشرائية، كلها عناصر متكاملة ضمن استراتيجية واحدة. ويتمثل الهدف في ترسيخ المكتسبات الاقتصادية للمملكة وتعزيز انعكاساتها الملموسة على الحياة اليومية للمواطنين.
ومع اقتراب انتخابات 2026، تضع هذه الرؤية التي يدافع عنها رياض مزور وحزب الاستقلال المواطن في قلب التفكير الاقتصادي. كما تبرز طموحاً يقوم على الثقة، وتثمين الإمكانات الوطنية، وتطوير الكفاءات وخلق فرص جديدة.
وبعيداً عن الاستحقاقات الانتخابية، تطرح هذه المقاربة سؤالاً محورياً حول مستقبل المملكة: كيف يمكن مواصلة التحول الاقتصادي للمغرب، مع الحرص على أن تساهم كل مرحلة جديدة من مراحل التنمية في خلق المزيد من فرص الشغل، والدخل، والكفاءات والآفاق المستقبلية للمواطنين؟



