بقلم: حكيم فارس
تمرّ سلسلة الكاكاو في كوت ديفوار بإحدى أكثر الفترات حرجًا في تاريخها الحديث. وقد وصفها العديد من الفاعلين الميدانيين بأنها أزمة «غير مسبوقة»، إذ لا يمكن اختزالها في اختلال ظرفي عابر أو في تقلب مؤقت للأسواق العالمية.
بل تكشف هذه الأزمة عن تراكم هشاشات بنيوية ظلت مكبوتة لسنوات، وظهرت اليوم إلى العلن بفعل الانسداد الشامل لقنوات التسويق والتشبع المقلق لمناطق التخزين في الأقاليم المنتجة. ففي عدد من الأحواض الكاكاوية، ظلت آلاف الأطنان من الحبوب دون بيع لأسابيع طويلة، مما أدى إلى تجميد سيولة التعاونيات وعرقلة الدفع المنتظم للمزارعين.
وقد خلّف هذا الجمود في سلسلة التسويق آثارًا فورية على النسيج الاقتصادي الريفي. فالتعاونيات، التي كانت أصلًا منهكة بفعل ارتفاع التكاليف اللوجستية والمالية، شهدت تقلصًا حادًا في قدرتها على العمل. كما أن نقص السيولة لا يهدد فقط تسوية مستحقات المحاصيل، بل يعرقل أيضًا صيانة المزارع، وشراء المدخلات، والتحضير للمواسم الزراعية المقبلة. وفي بلد يعتمد فيه ملايين الأشخاص بشكل مباشر أو غير مباشر على الكاكاو، يتحول هذا الانسداد إلى مضاعف للهشاشة الاجتماعية.
أزمة سيولة ذات انعكاسات اجتماعية فورية
سرعان ما تبلورت غضبة المنتجين حول ما يعتبرونه فجوة عميقة بين الخطاب المؤسساتي وواقع الميدان. فقد نددت منظمات مهنية مثل SYNAP-CI وANAPROCI باختلالات مزمنة في حكامة القطاع، وانتقدت أسلوب إدارة اعتُبر غير ملائم لحجم الأزمة. ووفقًا لها، فإن آليات الضبط المعتمدة تعجز عن امتصاص الصدمات، فيما تتأخر القرارات في إحداث أثر ملموس على الحياة اليومية للمزارعين. ويغذي هذا الشعور بالتخلي حالة متنامية من فقدان الثقة في مؤسسات التنظيم، وعلى رأسها مجلس القهوة والكاكاو، المتهم بالتقليل من خطورة الوضع.
وإلى جانب أزمة الحكامة، يشهد القطاع تدهورًا سريعًا في توازنه الاقتصادي. فبعد بلوغ أسعار الكاكاو العالمية مستويات قياسية في عامي 2024 و2025، دخلت مرحلة تصحيح حاد. وقد أدت هذه الانخفاضات، بالتوازي مع تراجع الصادرات، إلى إدخال السلسلة بأكملها في دوامة سلبية. فالتعاونيات، العالقة بين أسعار دولية أقل ربحية وتكاليف داخلية جامدة، تشهد تآكلًا خطيرًا في هوامشها. أما المزارعون، فقد كانت خسارة الدخل بالنسبة إليهم فورية، لا سيما أن السعر المضمون لم يعد كافيًا لتعويض ارتفاع تكاليف الإنتاج وضياع المنافذ التسويقية.
حكامة موضع جدل وانقلاب في التوازنات الاقتصادية
أمام تصاعد حدة التوترات، اضطرت الدولة الإيفوارية إلى التدخل المباشر. فقد أُعلن عن شراء المخزونات غير المباعة بالأسعار المضمونة بهدف تخفيف الخناق المالي عن المنتجين، وإعادة قدر من السيولة إلى مسارات نقل الكاكاو نحو الموانئ والأسواق الدولية. ورغم أن هذا الإجراء الطارئ يساهم في تفادي انهيار اجتماعي على المدى القصير، فإنه يثير تساؤلات حول استدامته المالية وقدرته على معالجة الأسباب الجذرية للأزمة. كما يبرز الدور المركزي للدولة باعتبارها صمام الأمان الأخير لمنظومة أصبحت شديدة الهشاشة أمام الصدمات الخارجية.
ولا يمكن فهم الأزمة الحالية بمعزل عن السياق العالمي الأوسع. فقد شهدت أسواق الكاكاو الدولية خلال السنوات الأخيرة تقلبات حادة، غذّتها اختلالات العرض والطلب، والمضاربات، وتزايد عدم اليقين المناخي. وبعد موجات ارتفاع قياسية، جاءت التصحيحات عنيفة، كاشفة هشاشة المنتجين أمام تقلبات لا يملكون التحكم فيها. كما أدت تشديدات معايير الجودة إلى تعليق مؤقت لبعض أنشطة التحويل الصناعي، ولا سيما الطحن، ما فاقم اختناق المخزونات.
الدولة كصمام أمان في سوق عالمية مضطربة
وعلى نحو أعمق، تكشف الحالة الإيفوارية عن اعتماد مفرط على زراعة أحادية ذات بعد عالمي. فكونها المنتج الأول عالميًا للكاكاو يمنح كوت ديفوار وزنًا حاسمًا في توازن السوق الدولية، لكنه يجعلها في الوقت ذاته عرضة لمخاطر جسيمة. فأي اضطراب مناخي أو صحي أو لوجستي ينعكس فورًا على المداخيل الوطنية وعلى ظروف عيش ملايين السكان. وتزيد الضغوط البيئية — من تغير مناخي، وشيخوخة المزارع، وأمراض مثل انتفاخ الساق (swollen shoot)، وتدهور التربة — من حدة هذه الهشاشة، عبر تأثيرها المباشر على المردودية وانتظام الإنتاج.
وأخيرًا، تسلط الأزمة الضوء على الاختلالات البنيوية في سلسلة القيمة للكاكاو. ففي حين تتحمل كوت ديفوار معظم المخاطر الزراعية والاجتماعية، تستحوذ الشركات متعددة الجنسيات في مراحل التحويل والتوزيع على جزء كبير من القيمة المضافة. ويظل صغار المنتجين، وهم الحلقة الأضعف، رهائن لتقلبات الأسعار العالمية دون امتلاك أدوات حقيقية للحماية أو التفاوض. وتغذي هذه المفارقة إحساسًا عميقًا بعدم العدالة، وتطرح بإلحاح مسألة توزيع أكثر إنصافًا للثروة المتأتية من مادة أولية استراتيجية.
قطاع استراتيجي أسير اختلالات بنيوية
إن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة جسيمة. فتراجع الدخل يهدد ملايين الأسر الريفية القريبة أصلًا من عتبة الفقر، ويترك آثارًا متسلسلة على التعليم والصحة والاستقرار الاجتماعي. كما أن اختناق قنوات التصدير يضعف مصداقية البلاد في الأسواق الدولية ويضغط على توازناتها الماكرو-اقتصادية. والأخطر من ذلك، أن غياب إصلاحات بنيوية طموحة قد يرهن مستقبل القطاع، رغم كونه أحد الأعمدة التاريخية للاقتصاد الإيفواري.
وبعيدًا عن منطق الاستعجال، تبدو أزمة الكاكاو بمثابة كاشف عميق. فهي تطرح أسئلة جوهرية حول نموذج الحكامة، والاستدامة البيئية، ومكانة المنتجين داخل سلسلة القيمة، وقدرة البلاد على تحويل ريعها الزراعي إلى رافعة للتنمية الشاملة. ومن دون مراجعة جذرية لآليات التنظيم، وسياسات التسعير، واستراتيجيات التنويع، قد يظل قطاع الكاكاو حبيس دورات متكررة من الأزمات، على حساب أولئك الذين يضمنون استمراره يومًا بعد يوم.





