أحدث المقالات

بورصة الدار البيضاء: مؤشر مازي تحت الضغط والمستثمرون يترقبون اتجاه السوق

تمر بورصة الدار البيضاء بمرحلة من التصحيح وإعادة التوازن، في ظل تقلبات مؤشرها المرجعي «مازي» واستمرار الحذر لدى المستثمرين. فبعدما تجاوزت القيمة السوقية للبورصة حاجز تريليون درهم خلال سنة 2025، تواجه السوق المالية المغربية صعوبات في استعادة منحى تصاعدي مستدام. ويعكس تذبذب المؤشر حول مستوى 17 ألف نقطة حالة من الترقب، تغذيها إعادة توزيع الاستثمارات بين القطاعات، وتزايد الانتقائية في اختيار الأسهم، وإعادة تقييم آفاق ربحية الشركات المدرجة.

تواصل بورصة الدار البيضاء تداولاتها في مناخ يتسم بالحذر، رغم استمرار المقومات الاقتصادية التي تدعم عدداً من القطاعات الإنتاجية والخدماتية بالمملكة. وقد أنهت جلسة الأربعاء 28 أكتوبر 2026 على تراجع مؤشر «مازي» بنسبة 0.55% ليستقر عند 16,926.61 نقطة، في حين بلغ حجم التداولات 128.47 مليون درهم. ويؤكد هذا الأداء الصعوبات التي يواجهها المؤشر في الحفاظ على موقعه فوق العتبة النفسية البالغة 17 ألف نقطة، والتي أصبحت تمثل مستوى مهماً في تقييم اتجاه السوق.  ولا تعكس هذه التحركات مجرد تقلبات ظرفية، بل تشير أيضاً إلى مرحلة من مراجعة توقعات المستثمرين، عقب المكاسب الكبيرة التي سجلتها السوق خلال السنة الماضية.

تصحيح ملحوظ بعد مكاسب 2025

شهدت بورصة الدار البيضاء خلال سنة 2025 أداءً استثنائياً، بعدما حقق مؤشر «مازي» ارتفاعاً بنحو 25%، مدعوماً بتحسن الظروف النقدية، وتزايد اهتمام المستثمرين، والتوقعات الإيجابية بشأن نتائج الشركات. غير أن سنة 2026 جاءت في سياق مختلف، اتسم بتنامي عمليات جني الأرباح، وإعادة تقييم أسعار الأسهم، وارتفاع درجة الحذر تجاه الشركات التي بلغت مستويات تقييم مرتفعة. وحتى 28 أكتوبر، سجل مؤشر «مازي» تراجعاً سنوياً يقارب 10%، بينما بلغت خسائر مؤشر «مازي 20»، الذي يضم عشرين من أكثر القيم سيولة، نحو 17.48% منذ بداية السنة. ويكشف هذا التفاوت عن الضغوط التي تتعرض لها بعض الشركات الكبرى، والتي تؤثر تحركات أسهمها بصورة مباشرة في الأداء العام للسوق. كما يعكس انتقال المستثمرين من استراتيجية البحث عن المكاسب السريعة إلى مقاربة أكثر ارتباطاً بالنتائج المالية الفعلية، والقدرة على تحقيق الأرباح، واستدامة النمو.

البنوك والعقار والصناعة في قلب التحركات

يواصل القطاع البنكي أداء دور محوري في تحديد اتجاه بورصة الدار البيضاء، بالنظر إلى الوزن الذي تحتله المؤسسات المالية الكبرى ضمن الرسملة السوقية وحجم المبادلات. وتحظى أسهم التجاري وفا بنك، وبنك إفريقيا، والبنك الشعبي المركزي بمتابعة خاصة من المستثمرين، الذين يراقبون تطور النتائج المالية، وكلفة المخاطر، وهوامش الوساطة، والطلب على تمويل المقاولات. أما القطاع العقاري، فيشهد تحركات متفاوتة، ترتبط أساساً بتوقعات الطلب على السكن، وبرامج الاستثمار، وتطور شروط التمويل. وفي المجال الصناعي، تستفيد الشركات العاملة في مواد البناء والمعادن والصناعات المرتبطة بالبنيات التحتية من آفاق المشاريع الكبرى التي تنفذها المملكة. غير أن هذه الفرص لا تنعكس تلقائياً على أسعار الأسهم، إذ تظل رهينة بقدرة الشركات على تحويل الطلبيات والاستثمارات إلى نتائج مالية ملموسة. ويشكل تطور الاستثمارات العمومية، وتسريع الأوراش الكبرى، وتوسيع القاعدة الصناعية الوطنية عوامل يمكن أن تدعم أداء عدد من الشركات المدرجة خلال السنوات المقبلة.

السيولة المحدودة تؤخر عودة الزخم

تتمثل إحدى أبرز سمات المرحلة الحالية في محدودية أحجام التداول خلال بعض الجلسات، وهو ما يعكس استمرار الحذر وضعف القناعة بوجود اتجاه صعودي واضح على المدى القصير. وتشير المعطيات المتاحة خلال جلسة الخميس 29 أكتوبر إلى تداول مؤشر «مازي» بالقرب من مستوى 16,900 نقطة، مع رسملة سوقية تناهز 993 مليار درهم. كما تتركز المبادلات في عدد محدود من الأسهم، من بينها الشركة العامة للأشغال بالمغرب SGTM، والتجاري وفا بنك، وTGCC، والضحى. ويؤكد هذا التركيز استمرار التأثير الكبير للشركات ذات الرسملة المرتفعة والأسهم الأكثر تداولاً في تحديد الاتجاه العام للبورصة.

الإدراجات الجديدة تعزز جاذبية السوق

رغم التراجع المسجل في المؤشرات، تواصل بورصة الدار البيضاء استقطاب شركات مغربية تسعى إلى تنويع مصادر تمويلها وتعزيز قدراتها الاستثمارية. ويشكل مشروع إدراج المختبر الصيدلاني المغربي «لابروفان» في البورصة، من خلال عملية مالية تبلغ قيمتها نحو 2.22 مليار درهم، مؤشراً على استمرار اهتمام المقاولات الوطنية بسوق الرساميل. ومن شأن إدراج شركات جديدة تنشط في قطاعات الطاقة والصحة والصناعة والخدمات أن يسهم في توسيع قاعدة الشركات المدرجة، وتنويع الفرص الاستثمارية، وتعزيز عمق السوق المالية المغربية. غير أن توسيع عدد الشركات المدرجة لا يكفي وحده لضمان انتعاش مستدام، إذ يتطلب الأمر أيضاً تحسين السيولة، وتعزيز الشفافية المالية، وترسيخ ثقة المستثمرين، ورفع قدرة المقاولات على تحقيق نمو مربح ومستدام.

أي آفاق لبورصة الدار البيضاء؟

على المدى القصير، سيظل سلوك مؤشر «مازي» حول مستوى 17 ألف نقطة من أهم المؤشرات التي يراقبها المستثمرون. فاستعادة هذا المستوى والاستقرار فوقه، بالتزامن مع ارتفاع أحجام التداول، قد يشكلان إشارة إيجابية على تحسن الثقة وعودة الطلب على الأسهم. في المقابل، فإن استمرار ضعف المبادلات والضغوط البيعية قد يؤدي إلى إطالة مرحلة التصحيح الحالية. وعلى المستوى الهيكلي، تحتفظ السوق المغربية بعوامل دعم مهمة، في مقدمتها الاستثمارات العمومية، والمشاريع الكبرى للبنيات التحتية، والتحول الصناعي، وتنامي الحاجة إلى تمويل المقاولات عبر سوق الرساميل.

كما ينتظر أن تؤثر مضامين مشروع قانون المالية لسنة 2027، ونتائج الشركات المدرجة، والعمليات المالية المرتقبة، في توجهات المستثمرين خلال المرحلة المقبلة. وتجد بورصة الدار البيضاء نفسها أمام مرحلة مفصلية، بعدما أظهرت سنة 2025 قدرتها على تحقيق مكاسب قوية، بينما أعادت تطورات 2026 التأكيد على أن الأداء البورصي لا يرتبط فقط بآفاق الاقتصاد الوطني، بل يتحدد أيضاً بربحية الشركات، ومستويات تقييم الأسهم، وعمق السيولة، وثقة المستثمرين.

ويبقى التحدي الاستراتيجي الأكبر أمام السوق المالية المغربية هو تحويل الدينامية الاقتصادية والاستثمارية التي تعرفها المملكة إلى نمو بورصي مستدام، قادر على تعبئة مزيد من الادخار الوطني والدولي وتوجيهه نحو تمويل المقاولات المنتجة وخلق القيمة المضافة. ملاحظة تحريرية: أُعد هذا التحليل بتاريخ 29 أكتوبر 2026. ونظراً إلى اختلاف البيانات المتاحة بشأن تداولات جلسة اليوم، اعتُمدت أرقام إغلاق 28 أكتوبر باعتبارها آخر معطيات إغلاق تم التحقق منها، دون تقديم الأرقام المؤقتة على أنها نتائج نهائية.

قد يعجبك ايضا