يواصل المغرب تعبئة رصيده العقاري العمومي لدعم التنمية الاقتصادية، من خلال الموافقة على 114 مشروعاً استثمارياً بقيمة إجمالية تبلغ 19.7 مليار درهم. وتعكس هذه الدينامية الأهمية الاستراتيجية للعقار في استقطاب الرساميل وتطوير الأنشطة الإنتاجية. غير أن الرهان الأساسي لم يعد يقتصر على المساحات المعبأة أو حجم الاستثمارات المعلن عنها، بل أصبح مرتبطاً بمدى القدرة على تحويل أراضي الدولة إلى مشاريع صناعية فعلية، قادرة على خلق فرص الشغل وتعزيز القيمة المضافة وتحفيز التنمية الاقتصادية بمختلف جهات المملكة.
تتجه سياسة تثمين العقار العمومي في المغرب نحو ترسيخ موقعها باعتبارها إحدى الأدوات الهيكلية لدعم الاستثمار والتحول الإنتاجي للاقتصاد الوطني. وتعكس الموافقة على 114 مشروعاً استثمارياً، بغلاف مالي إجمالي يبلغ 19.7 مليار درهم، إرادة متزايدة لتوظيف الموارد العقارية المتاحة في خدمة التنمية الصناعية والاقتصادية.
وفي ظل المنافسة المتصاعدة بين الجهات لاستقطاب المقاولات والاستثمارات، أصبح توفير عقارات ملائمة ومجهزة عاملاً حاسماً في تحديد الوجهات الاستثمارية. فبالنسبة إلى الفاعلين الصناعيين، لا يمثل العقار مجرد مساحة لإقامة الوحدات الإنتاجية، بل يشكل عنصراً أساسياً في تنافسية المشاريع ومردوديتها الاقتصادية. وتؤثر عدة عوامل مرتبطة بالموقع العقاري بصورة مباشرة في تكلفة الاستثمار، من بينها القرب من شبكات النقل، وتوفر الكهرباء والماء، والربط بالمنصات اللوجستية، ووجود يد عاملة مؤهلة تستجيب لمتطلبات الأنشطة الصناعية. ومن شأن تعبئة الرصيد العقاري العمومي أن تساهم في تجاوز عدد من الإكراهات الهيكلية التي تواجه المستثمرين، خصوصاً بالنسبة إلى المشاريع التي تتطلب مساحات واسعة أو تجهيزات صناعية متخصصة. ويندرج هذا التوجه ضمن استراتيجية وطنية تروم تحسين مناخ الأعمال، وتسريع إنجاز المشاريع الإنتاجية، وتعزيز الجاذبية الاقتصادية لمختلف جهات المملكة.
من الموافقة الإدارية إلى الاستثمار المنتج
تمثل الموافقة على مشاريع بقيمة 19.7 مليار درهم مؤشراً مهماً على حيوية الاستثمار، غير أن الأثر الاقتصادي الفعلي لهذه الدينامية يظل رهيناً بمدى تحول الالتزامات المعلنة إلى مشاريع قائمة ومنتجة على أرض الواقع. فبين المصادقة الإدارية على المشروع وانطلاق نشاطه الاقتصادي، تمر العملية الاستثمارية بعدة مراحل حاسمة، تشمل تأمين الوعاء العقاري، واستكمال التراخيص، وتعبئة التمويلات، وإنجاز المنشآت، وتركيب التجهيزات، وصولاً إلى بدء الاستغلال الفعلي. ويشكل التحكم في آجال هذه المراحل أحد أبرز التحديات المطروحة أمام السياسات العمومية، بالنظر إلى تأثير التأخر في تنفيذ المشاريع على تكلفتها ومردوديتها وقدرتها على خلق فرص الشغل. وفي هذا السياق، تكتسي الإصلاحات الرامية إلى تبسيط المساطر الإدارية وتعزيز التنسيق بين الإدارات والمراكز الجهوية للاستثمار والفاعلين الاقتصاديين أهمية خاصة، باعتبارها آليات أساسية لتسريع وتيرة إنجاز الاستثمارات.
وعلى المستوى الترابي، يفتح توفير عقارات صناعية مجهزة آفاقاً جديدة أمام بروز أقطاب اقتصادية خارج المراكز الصناعية التقليدية، ويساهم في توجيه الاستثمارات نحو المناطق التي تتوفر على إمكانات إنتاجية واعدة. ويمكن لتطوير المناطق الصناعية والمنصات اللوجستية والفضاءات المخصصة للأنشطة الإنتاجية أن يعزز الجاذبية الاستثمارية للجهات، شريطة مواكبة هذه المشاريع ببنيات تحتية ملائمة، وشبكات نقل فعالة، وخدمات أساسية، وبرامج لتأهيل الموارد البشرية.
غير أن تحقيق تنمية ترابية مستدامة لا يتوقف على عدد المشاريع المستقطبة أو حجم المساحات العقارية المخصصة لها، بل يرتبط أيضاً بطبيعة الأنشطة الاقتصادية التي تحتضنها ومدى اندماجها في النسيج الإنتاجي المحلي. فالمشاريع القادرة على خلق قيمة مضافة مرتفعة، وتطوير سلاسل التوريد الوطنية، وإدماج المقاولات المحلية، وإحداث مناصب شغل مؤهلة، تظل الأكثر قدرة على تحقيق آثار اقتصادية واجتماعية مستدامة.
الحكامة والشفافية لضمان الاستغلال الأمثل للعقار
تفرض تعبئة العقار العمومي لفائدة الاستثمار اعتماد آليات دقيقة للحكامة والتتبع والتقييم، بما يضمن توجيه هذه الموارد الاستراتيجية نحو المشاريع الأكثر قدرة على تحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية. وتبرز في هذا الإطار أهمية الشفافية وتكافؤ الفرص في تخصيص الأراضي، إلى جانب وضع معايير واضحة لتقييم المشاريع ومدى احترام المستثمرين لالتزاماتهم. كما يتعين الحد من مخاطر المضاربة العقارية أو تجميد الأراضي دون استغلال فعلي، من خلال تعزيز آليات المراقبة وربط الاستفادة من العقار العمومي بإنجاز المشاريع داخل الآجال المحددة. ولا ينبغي أن يقتصر تقييم هذه السياسة على حجم الاستثمارات المصادق عليها، بل يجب أن يستند إلى مؤشرات ملموسة تشمل المبالغ المستثمرة فعلياً، وعدد الوظائف المحدثة، ونسب تقدم الأشغال، ومدى مساهمة المشاريع في تنشيط الاقتصادات الجهوية. ومن شأن اعتماد هذه المقاربة أن يعزز فعالية تدبير الرصيد العقاري للدولة، ويضمن توظيفه بصورة أكثر انسجاماً مع الأولويات الصناعية والتنموية للمملكة.
المقاولات الصغرى والمتوسطة أمام تحدي الولوج إلى العقار
يشكل ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى العقار الصناعي أحد التحديات الرئيسية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار في سياسات تعبئة الأراضي العمومية. فعلى خلاف المجموعات الصناعية الكبرى، تواجه العديد من المقاولات الصغيرة والمتوسطة صعوبات في الحصول على عقارات مجهزة وملائمة من حيث المساحة والتكلفة والموقع، وهو ما قد يحد من قدرتها على التوسع والاستثمار ورفع طاقتها الإنتاجية.
ويستدعي تجاوز هذه الإكراهات تطوير عرض عقاري متنوع يستجيب لمختلف أحجام المشاريع وخصوصيات القطاعات الصناعية، مع توفير صيغ مرنة للولوج إلى المناطق الصناعية والخدمات المشتركة. ومن شأن تحسين هذه الشروط أن يشجع ظهور فاعلين صناعيين جدد، ويدعم أنشطة المناولة، ويعزز اندماج المقاولات الوطنية في سلاسل القيمة، بما يساهم في توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد المغربي.
وتعكس الاستثمارات المصادق عليها، والبالغة 19.7 مليار درهم، إمكانات اقتصادية مهمة لتسريع التحول الصناعي وتعزيز التنمية الترابية. غير أن نجاح هذه الدينامية سيظل مرتبطاً بقدرة مختلف المتدخلين على ضمان التنفيذ الفعلي للمشاريع وتحقيق آثارها الاقتصادية والاجتماعية. فالقيمة الحقيقية للعقار العمومي لا تقاس بمساحته أو بقيمته السوقية وحدهما، وإنما بما يمكن أن يحتضنه من وحدات إنتاجية ومقاولات مستدامة وفرص شغل. وبالنسبة إلى المغرب، أصبح العقار العمومي رافعة استراتيجية للسيادة الصناعية والتنافسية الترابية والتنمية الاقتصادية المتوازنة، شريطة الانتقال من منطق تخصيص الأراضي إلى منطق الإنجاز الفعلي وقياس النتائج.


