أكد الدرهم المغربي (MAD) خلال النصف الأول من عام 2026 متانته وقدرته على الصمود في ظل بيئة اقتصادية عالمية لا تزال تتسم بحالة من عدم اليقين. ففي وقت ظلت فيه الأسواق المالية الدولية متأثرة بالتوترات الجيوسياسية، وسياسات البنوك المركزية الكبرى، وتقلبات أسعار الطاقة، حافظت العملة المغربية على استقرار ملحوظ أمام اليورو، الذي يشكل المرجع الرئيسي لسلة العملات التي يُربط بها الدرهم. ويعكس هذا الأداء قوة الأسس الاقتصادية للمملكة ونجاعة السياسة النقدية التي ينتهجها بنك المغرب.
ويواصل المغرب العمل بنظام سعر صرف شبه مرن، حيث يرتبط الدرهم بسلة عملات تتكون من 60% من اليورو و40% من الدولار الأمريكي، مع هامش تقلب يبلغ ±5% حول السعر المرجعي. ويتيح هذا النظام امتصاص الصدمات الخارجية تدريجياً، مع الحفاظ على استقرار العملة وتجنب الانخفاضات الحادة التي شهدتها عملات العديد من الاقتصادات الناشئة.
وخلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، استفاد الدرهم من مجموعة من العوامل الإيجابية. فقد واصلت الصادرات الصناعية نموها بفضل الأداء القوي لقطاعات صناعة السيارات، والطيران، والمكونات الكهربائية، والفوسفاط، والصناعات الغذائية. كما سجل القطاع السياحي مستويات قياسية من حيث عدد الزوار، في حين ظلت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج إحدى أهم مصادر العملة الصعبة. كذلك استمرت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في التدفق نحو المملكة، خاصة في مجالات صناعة السيارات، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، والطاقات المتجددة، والبنية التحتية.
كما تعززت ثقة الأسواق بفضل المستوى المرتفع لاحتياطيات المغرب من النقد الأجنبي. ووفقاً لأحدث البيانات، بلغت الاحتياطيات الرسمية من العملات الأجنبية لدى بنك المغرب نحو 432.3 مليار درهم، أي ما يعادل حوالي 46.6 مليار دولار أمريكي، وهو مستوى يكفي لتغطية عدة أشهر من واردات السلع والخدمات، ويوفر للبنك المركزي هامشاً مريحاً للتدخل عند الحاجة من أجل الحفاظ على استقرار سوق الصرف.
وفي الوقت نفسه، واصل معدل التضخم تراجعه مقارنة بالضغوط التي شهدها الاقتصاد خلال عامي 2022 و2023، مما أتاح لبنك المغرب اعتماد سياسة نقدية أكثر توازناً، مع الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند مستوى يدعم النشاط الاقتصادي ويحافظ في الوقت ذاته على استقرار الأسعار. وقد ساهم هذا التحكم في التضخم بشكل مباشر في تعزيز استقرار الدرهم وترسيخ ثقة المستثمرين.
وخلال النصف الأول من السنة، تحرك الدرهم مقابل اليورو ضمن نطاق محدود نسبياً، وهو ما وفر مزايا مهمة للمقاولات المغربية. فقد استفاد المستوردون من وضوح أكبر في تكاليف الاستيراد، بينما تمكن المصدرون نحو الاتحاد الأوروبي من التخطيط لعملياتهم التجارية مع انخفاض مخاطر تقلبات أسعار الصرف. كما عزز هذا الاستقرار جاذبية المغرب للاستثمارات الأجنبية، وخفض تكاليف التحوط ضد مخاطر تقلب العملات.
وتبدو آفاق النصف الثاني من عام 2026 إيجابية بشكل عام، حيث يُتوقع أن تستمر عدة عوامل في دعم العملة الوطنية، من بينها موسم سياحي صيفي قوي، وتزايد الصادرات الصناعية، وتسارع الاستثمارات المرتبطة بالمشاريع الاستراتيجية الكبرى، والاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030، إضافة إلى توسع الصناعات الجديدة مثل البطاريات الكهربائية، والمركبات النظيفة، والطاقات المتجددة، وهي قطاعات مرشحة لتعزيز إيرادات المملكة من العملات الأجنبية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال بعض المخاطر الخارجية قائمة، من بينها توجهات السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي، وأداء اقتصاد منطقة اليورو، والتوترات التجارية الدولية، وتقلبات أسعار النفط، والتطورات الجيوسياسية. وقد يؤدي أي ارتفاع قوي في قيمة اليورو إلى ممارسة ضغوط محدودة على الدرهم، غير أن نظام الصرف الحالي ومستوى الاحتياطيات الأجنبية من شأنهما الحد من تأثير هذه التقلبات.
وبناءً على المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات حتى نهاية عام 2026. ويتمثل السيناريو الأكثر ترجيحاً في استمرار استقرار الدرهم مع تقلبات محدودة أمام اليورو. أما السيناريو الإيجابي، فيفترض تحقيق تحسن طفيف في قيمة الدرهم إذا تجاوزت عائدات السياحة والصادرات والاستثمارات الأجنبية التوقعات. وفي المقابل، قد يشهد السيناريو الأكثر تحفظاً تراجعاً محدوداً في قيمة العملة الوطنية في حال تباطؤ اقتصاد منطقة اليورو أو تجدد الاضطرابات في الأسواق الدولية، دون أن يؤثر ذلك في التوازنات النقدية الأساسية للمملكة.
وعلى المدى المتوسط، تبدو الآفاق واعدة بفضل اقتصاد مغربي أكثر تنوعاً، وقطاع صناعي سريع النمو، وبنية تحتية لوجستية ذات مستوى عالمي، وشبكة تضم أكثر من خمسين اتفاقية للتبادل الحر، فضلاً عن تزايد جاذبية المملكة لدى المستثمرين الدوليين. كما أن مواصلة الانتقال التدريجي نحو نظام أكثر مرونة لسعر الصرف، الذي يديره بنك المغرب بحذر، من شأنه أن يعزز قدرة الدرهم على مواجهة الصدمات الخارجية.
وفي غياب أي صدمة اقتصادية أو جيوسياسية كبيرة، يُنتظر أن يحافظ الدرهم المغربي خلال النصف الثاني من عام 2026 على مكانته كواحد من أكثر العملات استقراراً في إفريقيا والعالم العربي. ويظل هذا الاستقرار ركيزة أساسية لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وترسيخ ثقة المستثمرين، ودعم مكانة المغرب كمركز صناعي وتجاري ومالي يربط بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط. وتشير المؤشرات الاقتصادية الحالية إلى استمرار استقرار الدرهم أمام اليورو حتى نهاية عام 2026، بما يعكس قوة السياسة النقدية المغربية وقدرة المملكة على مواجهة تقلبات الاقتصاد العالمي.













