أحدث المقالات

“صنع في المغرب”.. رافعة استراتيجية لخلق الثروة لا يزال 99.4% من إمكاناتها غير مستغل

أُطلق رسميًا وسم “صنع في المغرب” (Made in Morocco) في 3 نوفمبر 2025، بمناسبة اليوم الوطني للصناعة، ليشكل أحد الركائز الأساسية للاستراتيجية الصناعية الجديدة للمملكة. ويهدف هذا الوسم إلى تحويل المنشأ المغربي إلى علامة مرادفة للجودة، والمطابقة للمعايير، والابتكار، والقدرة التنافسية، بما يعزز حضور المنتجات الوطنية في الأسواق المغربية والدولية.

غير أنه، وبعد أقل من عام على إطلاقه، لا يزال من المبكر تقييم أثره الاقتصادي الكلي. فحتى الآن، لا توجد بيانات رسمية تسمح بقياس مساهمة الوسم بشكل مباشر في رقم معاملات الشركات أو في الناتج الداخلي الإجمالي. كما أن المرحلة الأولى من منح الوسم، التي أُعلنت في مايو 2026، شملت 80 شركة فقط و352 منتجًا موزعة على 13 قطاعًا صناعيًا.

ورغم محدودية البيانات الإحصائية، فإن ذلك لا يحجب الإمكانات الاقتصادية الهائلة لهذا المشروع الوطني. فالمغرب يتوفر اليوم على واحد من أكثر النسيج الصناعي دينامية في القارة الإفريقية، إذ يضم أكثر من 13 ألف مؤسسة صناعية، ويوفر ما بين 1.2 و1.3 مليون فرصة عمل، فيما تتجاوز قيمة الصادرات الصناعية 400 مليار درهم سنويًا، كما تمثل قطاعات الصناعة والطاقة والمعادن والبناء والأشغال العمومية حوالي 25% من الناتج الداخلي الإجمالي.

ومع ذلك، فإن عدد الشركات الحاصلة على وسم “صنع في المغرب” لا يمثل سوى 0.6% من مجموع النسيج الصناعي الوطني، أي أقل من شركة واحدة من كل 160 شركة. وهذا يعني أن 99.4% من الإمكانات الصناعية المغربية لا تزال خارج منظومة الوسم، وهو ما يعكس حجم الفرص المتاحة أمام هذه المبادرة الوطنية.

ولا تكمن أهمية الوسم في نتائجه الحالية، بل في قدرته على أن يصبح بحلول عام 2030 محركًا رئيسيًا لتعزيز تنافسية الصناعة المغربية. فإذا تمكنت السلطات العمومية من توسيع عملية منح الوسم، وتبسيط إجراءات الاعتماد، وتعزيز مواكبة المقاولات، فإن العائد الاقتصادي قد يكون كبيرًا.

وفي سيناريو محافظ، يرتفع فيه عدد الشركات الحاصلة على الوسم إلى 1,500 شركة، أي حوالي 12% من إجمالي النسيج الصناعي، يمكن أن تحقق هذه الشركات زيادة في رقم معاملاتها تتراوح بين 8 و10%، بفضل تحسين صورة العلامة المغربية، والانفتاح على أسواق جديدة، وتعزيز ثقة المستهلك في المنتجات الوطنية. ومن شأن ذلك أن يولد ما بين 30 و40 مليار درهم من الصادرات الصناعية الإضافية، مع إحداث ما بين 60 ألفًا و80 ألف فرصة عمل.

أما في سيناريو أكثر طموحًا، حيث يصل عدد الشركات الحاصلة على الوسم إلى 3,000 شركة بحلول عام 2030، أي ما يقارب ربع النسيج الصناعي المغربي، فإن الأثر الاقتصادي سيكون أكبر. فقد ترتفع الصادرات الصناعية بما يتراوح بين 70 و100 مليار درهم، في حين سيكون القطاع الصناعي قادرًا على إحداث أو تثبيت ما يصل إلى 150 ألف فرصة عمل. كما يمكن أن يسهم الارتقاء بجودة الإنتاج الوطني في رفع الناتج الداخلي الإجمالي بما يتراوح بين نقطة واحدة و1.5 نقطة مئوية، بفضل زيادة القيمة المضافة الصناعية، وتحسين اندماج الموردين المحليين في سلاسل القيمة العالمية، وتقليص الاعتماد على الواردات في عدد من القطاعات الاستراتيجية.

ويستند هذا الطموح إلى آليات اقتصادية واضحة؛ إذ يسهم وسم “صنع في المغرب” في تعزيز ثقة المستهلكين والمستثمرين والجهات الطالبة، ورفع المبيعات في السوق المحلية، وتحسين ولوج المنتجات المغربية إلى الأسواق الإفريقية والأوروبية، وتشجيع تطوير المنتجات ذات القيمة المضافة العالية، وفتح أسواق جديدة، وتحفيز الابتكار. كما يساعد على تقوية تنافسية المقاولات الصغرى والمتوسطة، ورفع نسبة الإدماج المحلي، وبناء منظومة صناعية أكثر تكاملاً تعتمد على موردين مغاربة يستجيبون للمعايير الدولية.

وتؤكد التجارب الدولية أهمية امتلاك علامة منشأ وطنية قوية. فقد أصبح “صنع في ألمانيا” (Made in Germany) رمزًا عالميًا للجودة، يدعم صادرات تتجاوز 1.5 تريليون يورو سنويًا. كما ساهم “صنع في إيطاليا” (Made in Italy) في تعزيز مكانة الصناعات الفاخرة والتصميم والصناعات الغذائية، ومنح منتجاتها قيمة مضافة مرتفعة في الأسواق العالمية. أما “صنع في اليابان” و**”صنع في كوريا”** فقد شكلا ركيزة أساسية في الارتقاء بالصناعات الوطنية وتعزيز ثقة المستهلكين والمستثمرين والشركاء التجاريين.

ويمتلك المغرب اليوم جميع المقومات التي تؤهله للسير في هذا الاتجاه، من خلال استقراره المؤسساتي، وموقعه الجغرافي الاستراتيجي، وبنيته التحتية اللوجستية المتطورة، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، إضافة إلى شبكة تضم أكثر من 50 اتفاقية للتبادل الحر، وقاعدة صناعية متنوعة تشمل صناعات السيارات والطيران، والصناعات الكهربائية والإلكترونية، والطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية، وصناعة البلاستيك وغيرها من القطاعات الواعدة.

ومن خلال ربط هذه المزايا بسياسة طموحة في مجالات التقييس، ومنح الشهادات، والترويج لوسم “صنع في المغرب”، يمكن للمملكة أن تحول هذا الوسم من مجرد علامة تعريف بالمنشأ إلى أداة استراتيجية لتعزيز السيادة الاقتصادية وخلق الثروة.

ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن التقديرات المتعلقة بآفاق عام 2030 تبقى سيناريوهات استشرافية تستند إلى نماذج اقتصادية، وليست بيانات رسمية مؤكدة. وهي تعكس الإمكانات الكبيرة للوسم في حال تسريع وتيرة منح الاعتماد وتعزيز مواكبة المقاولات.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، يمكن لوسم “صنع في المغرب” أن يولد ما بين 70 و100 مليار درهم من رقم المعاملات الصناعية الإضافي، وما بين 50 و80 مليار درهم من الصادرات الجديدة، مع المساهمة في إحداث أو تثبيت ما بين 100 ألف و150 ألف فرصة عمل، ورفع الناتج الداخلي الإجمالي بما يتراوح بين 1 و1.5 نقطة مئوية. وعندها لن يكون الوسم مجرد علامة تجارية، بل سيصبح أحد أهم محركات التنافسية الصناعية والإشعاع الاقتصادي للمغرب على الصعيدين الإقليمي والدولي.

قد يعجبك ايضا