أحدث المقالات

حصيلة حكومة بعيون مرصد العمل الحكومي : أوراش كبرى وفجوة اجتماعية لم تُردم

 في تقرير تقييمي صادر عن مرصد العمل الحكومي (OTRAGO) ومركز الحياة لتنمية المجتمع المدني، يُخضع الباحثان محمد جدري وعلي الغنبوري حصيلةَ حكومة عزيز أخنوش (2021-2026) لقراءة نقدية موضوعية. الخلاصة : وفاء جزئي بالالتزامات، وإصلاحات هيكلية حقيقية، لكن أثرها على الحياة اليومية للمواطن ظل دون سقف الانتظارات.

ما تحقق — أوراش لا يمكن إنكارها

تُسجّل الحصيلة جملةً من المنجزات البنيوية الفعلية. في مقدمتها، ورش تعميم الحماية الاجتماعية الذي تجاوز 32 مليون مستفيد من التأمين الإجباري عن المرض، وبلغ عدد الأسر المستفيدة من الدعم المباشر قرابة 3.9 مليون أسرة، أي ما يزيد على 12.5 مليون مواطن.

على صعيد الاستثمار العمومي، ارتفع الغلاف من 230 مليار درهم سنة 2021 إلى 380 مليار درهم في مشروع قانون مالية 2026، بزيادة تناهز 65 في المئة. وشملت الأوراش الكبرى توسعة المطارات، والطرق السيارة، والسكك الحديدية، وميناء الناظور غرب المتوسط، فضلاً عن بناء 16 سداً وتحلية مياه البحر.

كما سُجّل رقم قياسي في السياحة بلغ 19.8 مليون سائح سنة 2025، واستقرار ملحوظ في التوازنات الاقتصادية الكلية، إذ تراجع عجز الميزانية من 3.9 في المئة إلى 3.5 في المئة، مع احتياطات صرف تقترب من 448 مليار درهم.

 مكامن التعثر — الوعد والواقع

غير أن التقرير لا يتوقف عند الإنجاز، بل يُسائل الأثر. وتبرز في هذا الصدد فجوات حادة :

مليون منصب شغل : الوعد الذي تحول إلى أزمة ثقة. ارتفع معدل البطالة من 11.8 في المئة سنة 2021 إلى 13.3 في المئة سنة 2024، مع بلوغ عدد العاطلين 1.63 مليون شخص، وهو أعلى مستوى مسجل منذ سنوات. وتجاوزت بطالة الشباب 36.7 في المئة سنة 2025.

تآكل القدرة الشرائية. تجاوز التضخم العام 10.1 في المئة سنة 2023، وقفز تضخم المواد الغذائية إلى أكثر من 20 في المئة، وهو ما مست آثاره التراكمية ميزانيات الأسر حتى بعد تراجع التضخم. يُضاف إلى ذلك بطء الأثر الاجتماعي لإصلاحات الصحة والتعليم، رغم حجم الأوراش المعلنة.

الفوارق المجالية مستمرة. ثلاث جهات فحسب تنتج قرابة 59.3 في المئة من الناتج الداخلي الخام الوطني، فيما تبلغ نسبة الفقر متعدد الأبعاد 6.8 في المئة، مع تركز 72 في المئة من الفقراء في الوسط القروي.

 أعطاب تدبير الشأن العام

يرصد التقرير ثلاثة أعطاب بنيوية في أسلوب الحكم :

طغيان المقاربة التقنية على الحس السياسي، إذ تتعامل الحكومة مع الملفات الحارقة بمنطق الأرقام والمؤشرات، بعيداً عن الأثر النفسي والاجتماعي على المجتمع. وضعف التواصل وبناء الثقة، حيث يتحول الخطاب الرسمي إلى عامل يزيد من منسوب الاحتقان بدل احتوائه. وتوترات داخل مكونات الأغلبية، تجلّت بوضوح في ملف دعم استيراد الماشية وما اصطلح عليه بـ”الفراقشية”، حين خرج وزراء من حزب الاستقلال بانتقادات حادة لطريقة التدبير.

كما يُلاحظ التقرير أن 724 تعييناً في المناصب العليا طوال الولاية، بمعدل سنوي يقارب 180 تعييناً، يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الجهد الحكومي انصرف إلى تدبير المواقع بدل تدبير الأثر.

 إصلاح بلا ثقة

يخلص التقرير إلى مفارقة جوهرية : حكومة نجحت في إطلاق أوراش هيكلية ضخمة، لكنها لم تُفلح في تحويلها إلى رصيد ثقة مجتمعي. المشكلة ليست في غياب الإصلاح، بل في الفجوة بين الإنجاز المؤسساتي والإحساس الجمعي بنتائجه، وهي فجوة غذّاها ضعف التواصل، وبطء الأثر المباشر، واستمرار الضغط المعيشي.

ويوصي التقرير بأولويات واضحة للمستقبل، أبرزها : بناء الثقة قبل تسويق الإنجاز، وترسيخ الحس الاستشرافي في تدبير الأزمات، والمزاوجة بين الإصلاح الهيكلي والأثر المباشر على حياة المواطن.

قد يعجبك ايضا