يتجدد الجدل في المغرب مع كل موجة ارتفاع في أسعار المحروقات، ليطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يتعلق الأمر بقدر محتوم تفرضه الأسواق الدولية، أم أن هناك هامشا حقيقيا للتدخل والتخفيف؟ فمع اقتراب فاتح أبريل 2026، تبدو مؤشرات السوق في اتجاه تصاعدي جديد، ما يعيد إلى الواجهة نقاشا اقتصاديا واجتماعيا لم يُحسم بعد.
في العمق، يظل العامل الخارجي محددا رئيسيا، فالمغرب، باعتباره بلدا مستوردا للطاقة، يتأثر مباشرة بتقلبات أسعار النفط العالمية، التي تحركها اعتبارات جيوسياسية، واختلالات العرض والطلب، وتوجهات الدول المنتجة.
وعندما ترتفع الأسعار في الأسواق الدولية، تنتقل العدوى بشكل شبه تلقائي إلى السوق الوطنية، خاصة في ظل نظام تحرير أسعار المحروقات المعتمد منذ 2015.
لكن اختزال المشكلة في البعد الخارجي فقط قد يكون تبسيطا مفرطا، فتركيبة سعر المحروقات في المغرب تكشف عن وجود مكونات داخلية وازنة، على رأسها الضرائب وهوامش التوزيع.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن الضرائب (الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة) تمثل جزءا مهما من السعر النهائي، ما يفتح النقاش حول إمكانية تدخل الدولة لتخفيف العبء الضريبي، ولو بشكل ظرفي، خلال فترات الارتفاع الحاد.
غير أن هذا الخيار يطرح بدوره إشكالات معقدة، فالمحروقات تعد موردا ماليا مهما لميزانية الدولة، وأي تخفيض ضريبي قد يؤثر على التوازنات المالية، خاصة في سياق تتزايد فيه متطلبات الإنفاق الاجتماعي والاستثماري. كما أن تجارب دولية أظهرت أن دعم الأسعار بشكل مباشر قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل تشجيع الاستهلاك المفرط أو إثقال كاهل المالية العمومية.
في المقابل، يطرح ملف المنافسة داخل سوق التوزيع نفسه، إذ سبق أن أثارت تقارير رسمية نقاشا حول هوامش الربح ومستوى التنافس بين الفاعلين، ما يغذي مطالب بتقوية آليات الضبط والمراقبة لضمان شفافية أكبر في تحديد الأسعار.
وفي هذا الإطار، يرى بعض الخبراء أن تحسين حكامة السوق قد يتيح تخفيفا نسبيا للأسعار دون الحاجة إلى تدخل مالي مباشر من الدولة.
بعيدا عن الحلول الظرفية، يبرز رهان التحول الطاقي كخيار استراتيجي، فتنويع مصادر الطاقة، وتطوير الطاقات المتجددة، وتشجيع النقل الكهربائي، كلها مسارات من شأنها تقليص التبعية للوقود الأحفوري على المدى المتوسط والبعيد. غير أن هذا التحول يتطلب استثمارات ضخمة ووقتا كافيا ليؤتي ثماره، ما يجعله غير قادر على تقديم حلول فورية.
إلى جانب ذلك، يمكن التفكير في إجراءات موجهة أكثر دقة، مثل دعم مهنيي النقل أو الفئات الهشة بشكل مباشر، بدل دعم الأسعار بشكل عام. فهذه المقاربة، المعتمدة في عدد من الدول، تسمح بتقليص الكلفة المالية وتوجيه الدعم إلى مستحقيه، مع الحد من التأثيرات التضخمية الواسعة.
في المحصلة، لا يبدو أن هناك حلا سحريا أو فوريا لارتفاع أسعار المحروقات. فالمعادلة تجمع بين عوامل دولية خارجة عن التحكم، وأخرى داخلية تتطلب توازنا دقيقا بين حماية القدرة الشرائية والحفاظ على التوازنات المالية.
وبين هذا وذاك، يظل السؤال مفتوحا: هل يملك المغرب هامشا أكبر للتحرك، أم أن سقف التدخل يظل محدودا بإكراهات الواقع الاقتصادي؟




