Français
Español
普通话
Africa
English

أحدث المقالات

اقتصاد يعكس روح قادته

في الدينامية المقاولاتية التي يعرفها المغرب اليوم، ثمة تحوّل لا تعكسه المؤشرات الماكرو-اقتصادية بشكل مباشر. تحوّل أكثر هدوءًا، لكنه أشد عمقًا وتأثيرًا: إنه التحول الصامت في أنماط القيادة.

فخلف صعود الصناعة، وتعزز الصادرات، وتنامي التكنولوجيا، وتوسع الخدمات ذات القيمة المضافة، يبرز جيل جديد من القادة المغاربة لم يعد يقلّ في شيء عن نظرائه في كبريات الشركات العالمية.

هؤلاء المديرون ليسوا ورثةً سلبيين، ولا منفذين لاستراتيجيات مستوردة، بل باتوا مهندسي نمو حقيقيين، قادرين على التفكير بعقلية كونية، والعمل بفعالية محلية، والتعامل مع بيئات معقدة ومتقلبة وشديدة التنافسية.

وتميّزهم لا يقوم فقط على الكفاءة التقنية، بل على ذهنية جديدة قوامها ثقة واعية بلا غرور، تستند إلى الخبرة والعمل والوضوح في الرؤية.

ولفترة طويلة، كان يُنظر إلى المقاول المغربي باعتباره فاعلًا يسعى إلى اللحاق بالركب، لتعويض فجوة تكنولوجية أو تنظيمية مع المعايير الدولية.

غير أن هذا التصور لم يعد صالحًا اليوم. فالمغرب لم يعد في منطق التقليد، بل دخل مرحلة المنافسة المباشرة، حيث تندمج شركاته في سلاسل القيمة العالمية، وتتفاوض على قدم المساواة، وتبتكر داخل مجالاتها المختلفة.

وينعكس هذا التحول بوضوح في ملامح القيادات الجديدة. فقد تلقّى هؤلاء تكوينهم داخل المغرب أو خارجه، وخاض كثير منهم تجارب متعددة الثقافات، ما مكّنهم من إتقان أدوات المال والهندسة والتدبير الاستراتيجي والحكامة. والأهم أنهم تعلموا تكييف هذه المعارف مع السياقات المحلية والإفريقية، بدل إسقاط نماذج جاهزة دون مراعاة الخصوصيات.

العنصر الفارق لدى هؤلاء القادة هو فهمهم العميق للواقع الميداني. فهم يدركون القيود التنظيمية والاجتماعية والثقافية لبيئتهم، وفي الوقت نفسه يتعاملون بسلاسة مع متطلبات الأسواق الدولية. هذه القراءة المزدوجة، المحلية والعالمية، أصبحت ميزة تنافسية حاسمة.

وفي قطاعات الصناعة، والصناعات الغذائية، والطاقة، والمالية، والخدمات، تتكرر السمة نفسها: قادة قادرون على اتخاذ قرارات سريعة، والحسم في ظل عدم اليقين، وبناء مؤسسات مرنة وقادرة على الصمود.

وهم يدركون أن الأداء لم يعد رهينًا بالكلفة أو الحجم فقط، بل بجودة التنفيذ، والموثوقية، والقدرة على التعلم المستمر.

ومن أبرز ملامح هذا الجيل أيضًا علاقته المختلفة بالمسؤولية. فبعدما كانت القيادة تُختزل في سلطة عمودية، باتت اليوم تُفهم كقدرة على الإشراك، ومنح المعنى، وتوحيد الجهود حول مشروع مشترك.

ويتزايد حضور مفاهيم الرأسمال البشري، ونقل الخبرات، والأخلاقيات، والأثر الترابي في خطاب وممارسة القادة المغاربة.

وليس من قبيل الصدفة أن تستثمر شركات مغربية عديدة في التكوين الداخلي، ورفع الكفاءات، وتفويض المسؤوليات. فالقائد لم يعد مجرد صاحب قرار، بل أصبح حلقة وصل وناقل خبرة، يدرك أن استدامة الأداء رهينة بقوة الجماعة. وهي مقاربة تواكب أرقى المعايير الدولية، مع الحفاظ على بعد مغربي أصيل قوامه القرب والروابط والوفاء.

وإذا كان لا بد من إضافة سمة أخيرة إلى هذا المشهد، فهي الجرأة المحسوبة. فالقيادة في المغرب ما تزال تتطلب التعامل مع قيود بنيوية، ودورات اقتصادية غير متوقعة أحيانًا، وصدمات خارجية. وقد طوّر قادة الشركات المغربية قدرة استراتيجية عالية على الصمود، وعلاقة دقيقة بالمخاطر: لا تهوّر فيها ولا تردد.

إنهم يعرفون متى يستثمرون، ومتى يتحولون، وأحيانًا متى يعيدون ابتكار ذواتهم، دون التفريط في الأساسيات. وهذه القدرة على الثبات وسط الضبابية تشكل اليوم أحد أبرز مؤشرات بروز قيادة مغربية جديدة.

في المحصلة، لا يمكن فصل الدينامية المقاولاتية الراهنة في المغرب عن شخصية من يقودونها. فالاقتصادات لا تتقدم فقط عبر السياسات العمومية أو الاستثمارات الأجنبية، بل أيضًا عبر الرؤية والنضج والسمات القيادية لفاعليها.

والمغرب يبرهن اليوم على حقيقة أساسية: إنه لا يمتلك فقط قطاعات واعدة أو بنى تحتية حديثة، بل يمتلك قبل ذلك قادة قادرين على إحيائها وتطويرها ومنحها إشعاعًا. وربما هنا، أكثر من الأرقام، تكمن القوة الحقيقية لاقتصاده.

قد يعجبك ايضا