تواصل قضية تأهيل المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة تصدر أولويات النقاش الاقتصادي بالمغرب، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به هذه الفئة في تنشيط المبادرة الخاصة وتوسيع النسيج الإنتاجي والمساهمة في خلق فرص الشغل. وفي هذا السياق، تشكل محطة الدار البيضاء من الدورة السابعة للمنتدى الدولي للمقاولات الصغيرة جداً مناسبة لبحث الإكراهات الهيكلية التي تحد من نمو هذه المؤسسات، واستكشاف الحلول الكفيلة بتحسين قدرتها على مواجهة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
وتكتسي هذه التظاهرة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المواضيع المدرجة ضمن برنامجها، والتي تجمع بين التمويل والجبايات والرقمنة والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات أصبحت تؤثر بصورة مباشرة على تنافسية المقاولات وقدرتها على الاستمرار والتوسع داخل الأسواق الوطنية والدولية.
ورغم المكانة الأساسية التي تحتلها المقاولات الصغيرة في الاقتصاد المغربي، فإن جزءاً مهماً منها يواجه صعوبات مرتبطة بمحدودية الموارد المالية وضعف القدرات التدبيرية وصعوبة الولوج إلى الأسواق، فضلاً عن التحديات المرتبطة بالامتثال للمتطلبات الإدارية والجبائية والتكنولوجية.
ومن هذا المنطلق، يسعى المنتدى إلى توفير فضاء للحوار بين رواد الأعمال والمؤسسات العمومية والفاعلين الماليين والخبراء ومهنيي المواكبة، بهدف تقريب آليات الدعم من الاحتياجات الفعلية للمقاولات وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين في منظومة ريادة الأعمال.
ويتضمن برنامج اللقاء مداخلة لأنور العلوي، المدير العام لوكالة المغرب للمقاولات، المعروفة باسم «مغرب المقاولات»، تتناول برنامج «ميثاق المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة»، الذي يندرج ضمن مقاربة ترابية ومتعددة القطاعات تستهدف تعزيز هيكلة المؤسسات وتحسين صمودها ورفع قدرتها التنافسية.
وتبرز أهمية هذه المقاربة في كون التحديات التي تواجه المقاولات تختلف باختلاف حجمها وطبيعة أنشطتها ومواقعها الجغرافية، ما يستدعي تطوير حلول مواكبة مرنة تراعي الخصوصيات الاقتصادية للجهات والقطاعات الإنتاجية.
كما يحتل موضوع الجبايات والفوترة الإلكترونية موقعاً مهماً ضمن محاور المنتدى، في ظل التحولات التي تشهدها الإدارة المالية والضريبية واتجاه المؤسسات نحو توسيع استخدام الأدوات الرقمية في تدبير المعاملات والتصريحات والوثائق المحاسبية.
وتفرض هذه التطورات على المقاولات الصغيرة تحسين أنظمة التسيير المالي والمحاسبي وتعزيز شفافية المعاملات وتطوير قدرتها على الامتثال للمتطلبات التنظيمية. كما يمكن للرقمنة أن تساهم في تحسين تتبع العمليات وتقليص الأخطاء الإدارية وتوفير معطيات أكثر دقة لاتخاذ القرارات.
غير أن الانتقال نحو الفوترة الإلكترونية واعتماد الحلول الرقمية يتطلب مواكبة تقنية وتكويناً ملائماً، خصوصاً بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة جداً التي لا تتوفر دائماً على الموارد البشرية والمالية اللازمة لتنفيذ هذه التحولات بصورة مستقلة.
وتبرز في هذا الإطار ضرورة الجمع بين تبسيط الإجراءات وتوفير أدوات تكنولوجية ميسرة وتعزيز برامج التكوين، بما يسمح بتحويل الرقمنة من عبء إضافي إلى فرصة لتحسين الأداء والتنافسية.
التمويل والذكاء الاصطناعي رافعتان لتأهيل المقاولات وتعزيز تنافسيتها
يشكل الولوج إلى التمويل أحد أبرز التحديات التي تواجه المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة بالمغرب، بالنظر إلى الصعوبات المرتبطة بالحصول على القروض والضمانات وتوفير الموارد الضرورية لتمويل الاستثمار ورأس المال العامل. وتزداد هذه الإكراهات بالنسبة إلى المقاولات الحديثة أو تلك التي لا تتوفر على تاريخ مالي كافٍ يسمح للمؤسسات البنكية بتقييم مخاطرها بصورة دقيقة.
وفي هذا السياق، يخصص المنتدى حيزاً مهماً لمناقشة آليات التمويل والضمان، مع التركيز على ضرورة تحسين العلاقة بين المقاولات والمؤسسات المالية وتطوير أدوات مواكبة تساعد حاملي المشاريع على إعداد ملفات استثمارية قابلة للتمويل.
فالحصول على التمويل لا يرتبط فقط بتوفر الموارد المالية داخل النظام البنكي، بل يعتمد كذلك على جودة المعلومات المحاسبية والمالية التي تقدمها المقاولات، وقدرتها على إثبات الجدوى الاقتصادية لمشاريعها وتوضيح توقعاتها المتعلقة بالمداخيل والتكاليف والتدفقات النقدية.
ومن هنا، تبرز أهمية المواكبة التقنية والتدبيرية باعتبارها مكوناً مكملاً للتمويل، إذ يمكن لبرامج التأهيل أن تساعد المقاولات على تحسين حكامتها المالية وتطوير نماذج أعمالها وتعزيز قدرتها على التفاوض مع المؤسسات الممولة.
وفي موازاة التحديات التمويلية، يفرض التحول الرقمي نفسه باعتباره أحد المحددات الجديدة للتنافسية، خصوصاً مع التطور المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي واتساع مجالات استخدامها في الأنشطة الاقتصادية والخدماتية والإنتاجية.
ويمكن لهذه التكنولوجيا أن توفر للمقاولات الصغيرة أدوات لتحسين العلاقة مع الزبناء وتحليل المعطيات التجارية وتطوير استراتيجيات التسويق وتبسيط العمليات الإدارية والمحاسبية، فضلاً عن أتمتة بعض المهام المتكررة وتحسين استغلال الموارد المتاحة.
كما تتيح تطبيقات الذكاء الاصطناعي فرصاً لتطوير خدمات أكثر تخصيصاً وتحسين القدرة على استشراف الطلب وتحديد الاتجاهات التجارية، وهو ما قد يساعد المقاولات على اتخاذ قرارات أكثر دقة وتعزيز قدرتها على المنافسة.
غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تظل مرتبطة بتوفر الكفاءات الرقمية والموارد المالية والبنيات التقنية المناسبة، فضلاً عن ضرورة حماية المعطيات وضمان الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
ولذلك، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في النسيج المقاولاتي المغربي يتطلب اعتماد مقاربة تدريجية تقوم على توفير حلول منخفضة التكلفة وبرامج تكوين تطبيقية ومواكبة تقنية تتلاءم مع طبيعة أنشطة المقاولات الصغيرة وإمكاناتها.
وتكتسب المقاربة الترابية التي يدافع عنها برنامج «ميثاق المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة» أهمية إضافية في هذا السياق، إذ يمكن أن تساهم في تحسين توزيع خدمات الدعم والمواكبة بين الجهات وتقليص الفوارق في الولوج إلى التمويل والتكنولوجيا والخبرة.
كما أن تعزيز التنسيق بين غرف التجارة والصناعة والخدمات والمراكز الجهوية للاستثمار والمؤسسات البنكية والهيئات العمومية المكلفة بدعم المقاولات من شأنه أن يساعد على بناء منظومة أكثر تكاملاً للاستجابة لاحتياجات الفاعلين الاقتصاديين.
غير أن فعالية برامج الدعم لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد المقاولات المستفيدة أو حجم اللقاءات المنظمة، بل بالنتائج الاقتصادية المحققة، خصوصاً في ما يتعلق باستدامة المؤسسات وارتفاع استثماراتها وتحسين إنتاجيتها وخلق فرص الشغل وولوج أسواق جديدة.
ومن هذا المنظور، يمثل المنتدى الدولي للمقاولات الصغيرة جداً بالدار البيضاء فرصة لتعزيز الانتقال من منطق عرض برامج الدعم إلى منطق المواكبة القائمة على النتائج، بما يسمح بتحويل السياسات العمومية والمبادرات المؤسساتية إلى أدوات فعلية لتطوير النسيج المقاولاتي.
ويتمثل الرهان الاستراتيجي في تمكين المقاولات المغربية الصغيرة من الجمع بين الانضباط المالي والامتثال الجبائي والكفاءة الرقمية والقدرة على الابتكار، باعتبارها شروطاً أساسية لبناء مؤسسات أكثر صلابة واستدامة.
ويؤكد هذا الموعد الاقتصادي أن مستقبل تنافسية الاقتصاد المغربي لن يتحدد فقط بقدرة المملكة على استقطاب الاستثمارات الكبرى، بل أيضاً بمدى نجاحها في تأهيل آلاف المقاولات الصغيرة وتحويلها إلى فاعلين منتجين ومبتكرين، قادرين على المساهمة بصورة أوسع في خلق الثروة وتعزيز التشغيل وتحقيق التنمية الاقتصادية المتوازنة بين مختلف جهات المملكة.


