تشهد منظومة التحول الرقمي بالمغرب مرحلة جديدة مع التوسع في إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن الوظائف المالية وإدارة المشتريات وسلاسل التوريد. وفي هذا السياق، احتضنت الدار البيضاء، يوم 20 أكتوبر 2026، ملتقى «ساب للمالية والمشتريات 2026»، بمشاركة مسؤولين تنفيذيين ومديرين ماليين وخبراء المشتريات وممثلي قطاعات صناعية متعددة. وتجاوزت المناقشات مفهوم الأتمتة التقليدية لتتناول دور التقنيات الذكية في تحسين القدرة التنافسية للمقاولات، وترشيد التكاليف، وتسريع اتخاذ القرارات الاستراتيجية، وتعزيز مرونة المؤسسات الاقتصادية في مواجهة التحولات العالمية.
في ظل التقلبات التي تشهدها الأسواق الدولية، وتزايد تعقيد سلاسل الإمداد، وارتفاع متطلبات الأداء والكفاءة التشغيلية، أصبح التحول الرقمي أحد المحددات الأساسية لتنافسية المقاولات المغربية. وفي هذا الإطار، نظمت شركة «ساب» لإفريقيا الفرنكوفونية، يوم 20 أكتوبر 2026 بمدينة الدار البيضاء، ملتقى متخصصاً حول مستقبل الإدارة المالية والمشتريات في عصر الذكاء الاصطناعي، جمع مسؤولين اقتصاديين ومديرين ماليين وخبراء التكنولوجيا وممثلين عن مؤسسات صناعية، بهدف استعراض أحدث التطبيقات الرقمية القادرة على تطوير أساليب التسيير وتحسين الأداء المؤسسي.

وتندرج هذه الدينامية ضمن التوجهات الاستراتيجية لبرنامج «المغرب الرقمي 2030»، الذي يهدف إلى تسريع رقمنة الاقتصاد الوطني، وتعزيز منظومة الابتكار، وترسيخ موقع المملكة باعتبارها قطباً تكنولوجياً إقليمياً. وبالنسبة للنسيج الإنتاجي المغربي، لم يعد الرهان مقتصراً على تحديث الأنظمة المعلوماتية، بل أصبح مرتبطاً بالقدرة على تحويل البيانات إلى أدوات للتحليل والاستشراف واتخاذ القرار، وتحسين مراقبة العمليات، وتعزيز سرعة الاستجابة للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
غير أن تعميم هذه الثورة التكنولوجية يطرح تحدياً أساسياً يتعلق بمدى استفادة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة من الحلول المتقدمة. وفي هذا الصدد، أكد مهدي التازي، المسؤول بالاتحاد العام لمقاولات المغرب والفاعل في مبادراته المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أن سرعة اعتماد هذه التكنولوجيا ستكون عاملاً حاسماً في تحديد تنافسية المؤسسات خلال السنوات المقبلة. وحذر من احتمال اتساع الفجوة الرقمية بين المجموعات الاقتصادية الكبرى والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، مشدداً على ضرورة تمكين مختلف مكونات النسيج المقاولاتي من الاستفادة من التحولات التكنولوجية الجارية.
وتبرز أهمية هذا التوجه في كون الاقتصاد المغربي يعتمد على شبكة واسعة من المقاولات التي تشكل ركيزة أساسية للنشاط الاقتصادي والتشغيل. ومن ثم، فإن نجاح الانتقال الرقمي يتطلب مقاربة شمولية تتيح لهذه المؤسسات الولوج إلى الحلول الذكية، وتطوير كفاءاتها البشرية، وتحسين قدرتها على الاندماج في سلاسل القيمة الوطنية والدولية.
من أتمتة العمليات إلى المؤسسة الذكية المستقلة
شكل مفهوم «المؤسسة المستقلة» أحد المحاور الرئيسية للملتقى، حيث استعرضت «ساب» رؤيتها الجديدة القائمة على إدماج الذكاء الاصطناعي مباشرة في التطبيقات والعمليات التشغيلية. وتهدف هذه المقاربة إلى تجاوز الأتمتة التقليدية نحو تطوير أنظمة قادرة على تحليل المعطيات، وتنسيق العمليات، وتنفيذ مهام معقدة بدرجات متفاوتة من الاستقلالية، مع الحفاظ على الإشراف البشري على القرارات الاستراتيجية.
ومن بين الابتكارات التي جرى تقديمها حلول «جول وورك»، ومساعدو «جول» الأذكياء، ومنصة «ساب للذكاء الاصطناعي للأعمال»، التي تندرج ضمن المنظومة المتكاملة لتطبيقات الشركة. وتجمع هذه الحلول بين التطبيقات المهنية والبيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يسمح بتحسين تدفق المعلومات وتعزيز التنسيق بين مختلف الإدارات والوظائف داخل المؤسسة.
وفي المجال المالي، تتيح هذه التقنيات فرصاً لتسريع عمليات الإقفال المحاسبي، وتحسين موثوقية البيانات، وتطوير التوقعات المالية، وتعزيز قدرات تحليل المخاطر. كما توفر حلول تخطيط موارد المؤسسات السحابية إمكانات لتوحيد العمليات المالية وتحسين إعداد التقارير، بما يساعد المديريات المالية على الانتقال من الوظائف الإدارية التقليدية إلى أدوار أكثر استراتيجية ترتبط بالتخطيط والاستشراف ودعم القرارات الاستثمارية.
أما في مجال المشتريات، فيفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً جديدة لتحليل النفقات، وتحسين عمليات التوريد، وتقييم مخاطر الموردين، وتعزيز شفافية المعاملات. وتتيح حلول «ساب أريبا» رقمنة مختلف مراحل دورة المشتريات، وتحسين التعاون مع الموردين، وتعزيز القدرة على التحكم في التكاليف، وهو ما يكتسي أهمية خاصة بالنسبة للمؤسسات الصناعية التي تعتمد على شبكات توريد معقدة وأسواق دولية متقلبة.
وأكد هشام العراقي الحسيني، المدير العام لشركة «ساب» بإفريقيا الفرنكوفونية ونائب الرئيس المكلف بقطاع الشركات في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا الشمالية، أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولاً نوعياً في أساليب إدارة المؤسسات، من خلال الانتقال من أتمتة المهام إلى دمج الذكاء في صميم العمليات المهنية. وأوضح أن هذه التطورات تمنح المقاولات المغربية فرصاً مهمة لتحسين فعاليتها التشغيلية ومرونتها وقدرتها التنافسية، مع الحفاظ على العنصر البشري باعتباره محوراً أساسياً في اتخاذ القرارات الاستراتيجية.
ويحتل المغرب مكانة محورية ضمن الانتشار الإقليمي للشركة، إذ تواكب «ساب»، انطلاقاً من الدار البيضاء، زبناءها وشركاءها في أكثر من عشرين سوقاً إفريقية. ويعزز هذا الحضور موقع المملكة منصة إقليمية للخدمات الرقمية والحلول التكنولوجية الموجهة للمؤسسات الاقتصادية، خصوصاً في الأسواق الإفريقية الناطقة بالفرنسية.
الصناعات الدوائية والمعدنية في صلب التحول التكنولوجي
تكتسي الرقمنة أهمية متزايدة بالنسبة للقطاعات الصناعية المغربية التي تواجه متطلبات صارمة في مجالات الجودة والتتبع والامتثال التنظيمي والتحكم في التكاليف. ففي الصناعة الدوائية، تساهم الأنظمة الرقمية المتكاملة في تحسين مراقبة العمليات الإنتاجية، وتعزيز موثوقية المعلومات، وضمان التنسيق بين مختلف مراحل التصنيع والتوزيع.
وفي هذا السياق، أبرز رضا بنيس، نائب رئيس مجموعة «لابروفان»، الدور المحوري للتحول الرقمي في تعزيز الأداء التشغيلي واحترام معايير الجودة والامتثال. وأوضح أن حلول «ساب» تواكب تحديث العمليات داخل المجموعة، من خلال تحسين الرؤية الشاملة للأنشطة وتعزيز دقة المعلومات الضرورية لاتخاذ القرارات. كما اعتبر أن الإدماج التدريجي للتقنيات الذكية يمثل فرصة إضافية لتطوير الأداء الصناعي وترسيخ معايير التميز التشغيلي.
وفي قطاع الصناعات المعدنية، تبرز تحديات أخرى ترتبط بتحسين الكفاءة الإنتاجية، وترشيد استهلاك الطاقة، وتطوير إدارة سلاسل الإمداد، والاستجابة للمتطلبات البيئية المتزايدة. وقد استعرض يوسف الشافعي، مدير المشتريات بشركة «مغرب ستيل»، تجربة المؤسسة في اعتماد حلول «رايز مع ساب»، التي ساهمت في توحيد العمليات وتحسين استغلال البيانات وتحويلها إلى أدوات عملية لدعم القرارات.
وأوضح أن هذه الخطوة تفتح المجال أمام الإدماج التدريجي للذكاء الاصطناعي في مجالات محددة، من بينها التنبؤ بالطلب، ومراقبة الجودة، وتحسين إدارة المشتريات، بما يسمح للمؤسسة بالتكيف مع التحولات التي تعرفها سلاسل التوريد وتعزيز مرونتها التشغيلية.
وتعكس هذه التجارب تحولاً تدريجياً في مفهوم التنافسية الصناعية بالمغرب، إذ لم يعد الأداء الاقتصادي مرتبطاً حصرياً بحجم القدرات الإنتاجية أو جودة البنيات التحتية أو تكلفة اليد العاملة، بل أصبح يعتمد أيضاً على فعالية الأنظمة المعلوماتية، وسرعة معالجة البيانات، وجودة القرارات، والقدرة على استباق المخاطر والتغيرات السوقية.
غير أن توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المقاولات يظل رهيناً بتجاوز تحديات هيكلية، تشمل تأهيل الموارد البشرية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير حكامة البيانات، والتحكم في تكاليف الاستثمار التكنولوجي. كما يتطلب اعتماد مؤشرات دقيقة لقياس العائد الاقتصادي لهذه الحلول، سواء من حيث تحسين الإنتاجية أو تقليص النفقات أو الرفع من جودة المنتجات والخدمات.
ومن هذا المنطلق، يشكل ملتقى «ساب للمالية والمشتريات 2026» محطة جديدة في مسار التحول الرقمي للمقاولات المغربية، ويعكس الأهمية المتزايدة للذكاء الاصطناعي باعتباره رافعة لتحديث الإدارة المالية وتطوير المشتريات وتعزيز الأداء الصناعي.
وبالنسبة للمغرب، يتمثل التحدي الاستراتيجي خلال المرحلة المقبلة في تسريع انتشار هذه التكنولوجيا داخل مختلف مكونات النسيج الإنتاجي، مع تفادي نشوء فجوة رقمية بين المجموعات الكبرى والمقاولات الصغيرة والمتوسطة. كما تبرز ضرورة ربط التحول التكنولوجي بأهداف التصنيع الوطني، وتطوير الكفاءات، وتعزيز السيادة الرقمية، وتحسين موقع المملكة ضمن سلاسل القيمة العالمية.
فالرهان الحقيقي لم يعد يكمن في مجرد اقتناء التكنولوجيا، بل في قدرة المقاولات المغربية على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى مكاسب ملموسة في الإنتاجية، وفعالية اتخاذ القرار، والتنافسية الصناعية، وخلق قيمة اقتصادية مستدامة.
تعليق الصورة: هشام العراقي الحسيني، المدير العام لشركة «ساب» بإفريقيا الفرنكوفونية، يسلط الضوء على دور الذكاء الاصطناعي في تطوير الإدارة المالية والمشتريات وتعزيز تنافسية المؤسسات الصناعية، خلال ملتقى «ساب للمالية والمشتريات 2026» المنظم يوم 20 أكتوبر بمدينة الدار البيضاء.


