تشكّل الرياضة، ولا سيما كرة القدم، أحد أهمّ الفضاءات الجماعية التي تُعبَّر فيها العاطفة على الملأ، بلا تصفية ولا كبح.
في الملاعب، تنهض الأجساد، تتكسّر الأصوات، وتنفلت الأعصاب. الفرح فيها خاطف يكاد يكون غير قابل للكبح، والإحباط فجّ وفوري، أما الإحساس بالظلم، حين يظهر، فيغدو حشويًا، يكاد يكون شخصيًا.
كل شيء مسموح — أو يكاد — لأن الرياضة مسرح قائم بذاته، فضاء طقوسي يُتوقَّع فيه الإفراط كما يُسمَح به. الحماسة، المبالغة، والكثافة العاطفية هي مادته الأولى. وبدونها يفقد المشهد جوهره.
لكن، خصيصاً لأن العاطفة هي السيّدة هنا، يجب أن تظل محصورة ضمن هذا الإطار. فالرياضة لا يمكن أن تكون امتدادًا للحياة السياسية أو الدبلوماسية أو الاجتماعية؛ إنها فاصلة، لحظة معلّقة خارج الزمن العادي.
ولا تكتسب العاطفة التي تولّدها معناها إلا إذا بقيت داخل الحلبة التي وُلدت فيها. هنا يكمن التوازن الدقيق للظاهرة الرياضية: السماح بانفجار المشاعر دون أن تنساب إلى باقي مجالات الحياة الجماعية.
لو جُمعت كل العداوات التي وُلدت من هزائم رياضية عُدَّت جائرة، ولو قيس العبء العاطفي المتراكم عبر الأجيال، ولو نُقلت حدّته إلى الساحة السياسية، لكان العالم في حالة انفجار دائم.
الرياضة تُكثّف وتُضخّم مشاعر لا تستطيع المجتمعات، خارج هذا الإطار المنضبط، أن تستوعبها دون أن تتصدّع. وهنا تؤدي دورًا مناقضاً، لكنه أساسي: متنفس جماعي تُقال فيه التوترات لكي تتبدّد.
ولهذا يجب أن تعني نهاية المباراة نهاية التوتر. صافرة النهاية لا تُغلق نتيجة أو بطولة فحسب، بل تُقفل قوسًا عاطفيًا فُتح أحيانًا قبل أسابيع أو أشهر.
ما عُبّر عنه — غضب، خيبة، نشوة، وربما صعر — يجب أن يخبو مع انتهاء المنافسة. وإلا تحوّلت الرياضة من لعبة ومساحة رمزية إلى بذرة انقسام دائم، تغذّي الأحقاد وسوء الفهم حيث يفترض أن تصنع الروابط.
كرة القدم ليست استعارة للحرب، رغم الخطاب السهل الذي يُلبسها هذا القاموس العسكري. بل هي، على العكس، نقيضها المتحضّر.
فحيث تُقصي الحرب بلا قواعد ولا نهاية، تنظّم كرة القدم مواجهة محكومة بقواعد صارمة، محدودة زمنًا، مقبولة من الجميع. المواجهة فيها رمزية، لكي لا تصبح واقعية.
نتواجه لكي نستمر في التعايش، نتنافس دون أن نقطع، ونقيس قوتنا دون إنكار قوة الآخر.
وقدّمت مقابلة نهائي المغرب–السنغال مثالًا صارخًا على ذلك. من خلال نهاية لقاء فوضوية والإحباطات التي أثارها، تولدت توترات لم تتبدّد فور انتهاء المنافسة.
غير أن هذا التشنّج يتناقض بحدّة مع عمق العلاقات الحقيقية بين البلدين: علاقات سياسية متينة، تعاون اقتصادي ديناميكي، وتبادلات إنسانية كثيفة وأخوية.
إن الفجوة بين الحادث الرياضي وصلابة الشراكة الواقعية تكشف خطر السماح للعاطفة الرياضية بأن تتجاوز إطارها.
وهنا يجب إعادة الرياضة إلى مكانها الصحيح. لا يمكنها ولا يجب أن تلوّث باقي مجالات العلاقات الإنسانية. الملاعب فضاءات عاطفة وشغف وأحيانًا غضب، لكنها لا يمكن أن تتحوّل إلى مصانع للضغينة الدائمة.
كرة القدم توحّد أكثر بكثير مما تقسّم، بشرط الاعتراف بطبيعتها الحقيقية: تجربة جماعية مكثّفة، عاطفية بعمق، لكنها زائلة في جوهرها.
ما وراء النتيجة والكأس، تظل الغاية القصوى للرياضة هي تقريب الشعوب. أن يفوز هذا أو ذاك لا يهم كثيرًا، ما دامت المواجهة قد سمحت باللقاء والتبادل.
أن نتنافس دون أن نكره، أن نهتز دون أن نتمزّق، أن نحتفل دون أن نقطع: تلك هي الوعود العميقة التي تحملها الرياضة حين نحترم قواعدها المرئية وغير المرئية.
الرياضة لا تنتصر حقًا إلا حين تنتهي العاطفة التي تثيرها في حديد فضاء “النزال”. حين تذوب في العودة إلى الهدوء، لتفسح المجال للعقل، والذاكرة المشتركة، والاحترام المتبادل. ذلكم هو شرط العودة الضرورية إلى الحسّ السليم.




