دخل شعار «صنع في المغرب» مرحلة جديدة مع توسع القاعدة الصناعية، ونمو الصادرات، وظهور فروع تكنولوجية تزداد تعقيداً. غير أن الإنتاج في المغرب لم يعد كافياً وحده لرفع القيمة المضافة. فالمعركة المقبلة ستدور حول التصميم وبراءات الاختراع والعمليات الصناعية والعلامات التجارية وقدرة المقاولات المغربية على تحويل ابتكاراتها إلى منتجات قابلة للتسويق. وتظهر أرقام الملكية الصناعية أن الدينامية قد انطلقت بالفعل، لكن هامش التطور لا يزال واسعاً.
شهد الجهاز الإنتاجي المغربي تحولاً عميقاً خلال العقدين الماضيين. فقد أصبحت صناعة السيارات والطيران والإلكترونيات والصناعات الغذائية والكيميائية والدوائية والنسيج ومواد البناء والصناعات الكهربائية تشكل نسيجاً صناعياً متنوعاً ومرتبطاً بسلاسل القيمة الدولية الكبرى.
وفي سنة 2024، حققت الصناعة المغربية رقم معاملات بلغ 898 مليار درهم، مقابل 822 مليار درهم سنة 2023. كما بلغت قيمة الإنتاج الصناعي 842 مليار درهم، فيما وصلت القيمة المضافة إلى 240 مليار درهم. وارتفعت الاستثمارات الصناعية بنسبة 30% لتبلغ 90 مليار درهم، بالتزامن مع إحداث 42.714 منصب شغل صافٍ، ليرتفع إجمالي التشغيل الصناعي إلى أكثر من 1.03 مليون منصب. وتعكس هذه المؤشرات تنامي القدرة على «الإنتاج في المغرب». غير أن السؤال التالي أصبح مطروحاً بشكل متزايد: ما حجم القيمة التكنولوجية والفكرية التي يتم إنتاجها فعلياً داخل المغرب؟ وتتطلب الإجابة النظر إلى مجموعة من المؤشرات، في مقدمتها براءات الاختراع، والبحث التطبيقي، ونفقات البحث والتطوير، والتصميم الصناعي، وقدرة الشركات على تطوير منتجاتها الخاصة.
من «منتج صنع في المغرب» إلى «منتج صُمم في المغرب»
تكشف بيانات المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية OMPIC عن تطور مهم في النشاط الابتكاري. ففي سنة 2024، سجل المكتب 2.926 طلباً لبراءات اختراع، من بينها 1.145 طلباً من أصل مغربي، بزيادة بلغت 26% مقارنة بسنة 2023. وتواصلت هذه الدينامية خلال سنة 2025. فخلال الأشهر التسعة الأولى من السنة، بلغ عدد طلبات براءات الاختراع ذات الأصل المغربي 299 طلباً، بارتفاع نسبته 44% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024. وكانت الجامعات تمثل آنذاك 66% من الطلبات الوطنية، مقابل 12% فقط بالنسبة إلى الشركات.
وتكشف هذه الأرقام في الوقت نفسه عن تطور إيجابي وتحدٍ قائم. فالمنظومة المغربية تنتج المعرفة والاختراعات، لكن جزءاً مهماً من هذا النشاط لا يزال يأتي من الوسط الجامعي. ولذلك، يتمثل الرهان الصناعي الحقيقي في تعزيز انتقال الابتكار من المختبرات إلى المصانع. فبراءة اختراع تبقى داخل المختبر لا تنتج القيمة نفسها التي يمكن أن تحققها تكنولوجيا تتحول إلى منتج، ثم تدخل مرحلة التصنيع الصناعي والتسويق والتصدير. وهذه السلسلة المتكاملة هي التي تحتاج إلى مزيد من التعزيز.
وقد بدأ المغرب في وضع آليات تستهدف تقليص هذه الفجوة. ويقدم برنامج Tatwir-R&D et Innovation 2026-2028 مواكبة للمقاولات الصناعية والشركات الناشئة المبتكرة في عدة مراحل، تشمل البحث والتطوير، وتثمين براءات الاختراع، والتصنيع التجريبي والتسويق.
وبالنسبة إلى تثمين براءات الاختراع صناعياً أو تجارياً، يمكن أن تصل مساهمة البرنامج إلى 80% من تكلفة المشروع، في حدود مليون درهم. أما مشاريع البحث والتطوير والابتكار الصناعي، فيمكن أن يصل الدعم فيها إلى 60%، في حدود 4 ملايين درهم لكل مشروع. وتكتسي هذه الآليات أهمية خاصة بالنسبة إلى المقاولات الصغرى والمتوسطة. فالشركات الكبرى تتوفر عادة على موارد بشرية ومالية تمكنها من تمويل المشاريع التكنولوجية، بينما يمكن أن يمثل الانتقال من النموذج الأولي إلى مرحلة التصنيع استثماراً يصعب على المقاولة الصغيرة أو المتوسطة تحمله بمفردها.
الابتكار يحتاج إلى سوق صناعية
يتعين كذلك التفكير في الابتكار الصناعي انطلاقاً من حاجيات السوق. فالمغرب يتوفر اليوم على عدد من القطاعات القادرة على تحويل الابتكارات بسرعة إلى إنتاج صناعي على نطاق واسع. وتشكل صناعة السيارات المثال الأبرز. فالقطاع يحقق رقم معاملات يقارب 196 مليار درهم ويوفر أكثر من 250 ألف منصب شغل مباشر. كما يضم عدداً كبيراً من مصنعي التجهيزات والموردين الذين يمكن أن يصبحوا شركاء طبيعيين في تطوير مكونات وعمليات وحلول جديدة.
وينطبق المنطق نفسه على صناعة الطيران. فمتطلبات الدقة والاعتماد وقابلية التتبع تدفع الموردين إلى الاستثمار في الهندسة والتحكم التكنولوجي. وكل كفاءة جديدة يتم تطويرها محلياً يمكن أن تجد لاحقاً تطبيقات في أسواق صناعية أخرى. كما يفتح بروز صناعة البطاريات مجالاً جديداً للابتكار. فإنتاج البطاريات يتطلب مهارات في الكيمياء والإلكترونيات والمواد والبرمجيات والإدارة الحرارية وإعادة التدوير. وهذا يعني بالنسبة إلى الشركات المغربية ظهور قطاعات جديدة يمكنها تطوير حلول وتكنولوجيات مملوكة لها.
العلامة التجارية والملكية الفكرية
تكتسي العلامات التجارية بدورها أهمية متزايدة. فلا ينبغي أن يرتبط «صنع في المغرب» فقط بمكان إنتاج السلعة، بل يمكن أن يتحول إلى أداة لرفع قيمة الشركات التي تصمم منتجاتها وتنتجها وتصدرها تحت علاماتها الخاصة.
غير أن هذا التحول يتطلب تغييراً في ثقافة الشركات. فلا ينبغي النظر إلى البحث والتطوير باعتباره مجرد نفقات مرتبطة بطلبات الاستفادة من برامج الدعم، وإنما يجب إدماجه في الاستراتيجية الصناعية للمقاولة: تحسين منتج، تقليص استهلاك، خفض التكاليف، استبدال واردات، تطوير مكون جديد أو الولوج إلى سوق جديدة.
كما يمثل تقليص الاعتماد على الواردات محوراً مهماً. فالابتكار المغربي القادر على إنتاج مكون محلياً كان يتم استيراده في السابق يمكن أن يحقق عدة نتائج في الوقت نفسه، من بينها خفض فاتورة الاستيراد، وخلق كفاءات جديدة، وتحسين الميزان التجاري، ثم تصدير الحل نفسه إلى أسواق أخرى.
وبذلك يمكن للابتكار أن يصبح أداة لتعزيز السيادة الصناعية. كما تمثل الملكية الفكرية ورقة مهمة في المفاوضات الدولية. فالشركة التي تمتلك التكنولوجيا الخاصة بها تكون في وضع أقوى في علاقاتها مع شركائها ومورديها وزبنائها، ويمكنها منح تراخيص لاستغلال تقنياتها، وحماية أسواقها، وبناء مزايا تنافسية يصعب تقليدها.
ويتوفر المغرب بالفعل على مؤسسات وهياكل قادرة على مواكبة هذه الدينامية، من بينها OMPIC ومراكز البحث والجامعات ومجموعات الأعمال والقطاعات التكنولوجية وبرامج الدعم العمومي وآليات المواكبة الصناعية. ويبقى الرهان الآن في تعزيز الروابط بين هذه المكونات. ويحتاج القطاع الخاص، بشكل خاص، إلى لعب دور أكبر في إيداع براءات الاختراع وتمويل البحث التطبيقي. وتظهر معطيات OMPIC أن الشركات لا تزال تمثل نسبة محدودة نسبياً من طلبات براءات الاختراع ذات الأصل المغربي.
وتفتح هذه الوضعية أيضاً مجالاً مهماً أمام الشركات الناشئة الصناعية. فشركة ناشئة متخصصة في الذكاء الاصطناعي أو أجهزة الاستشعار أو الروبوتات أو المواد أو كفاءة الطاقة يمكنها تطوير تكنولوجيا يكون أول زبائنها هم الصناعيون المغاربة أنفسهم. ويتمثل التحدي هنا في بناء سوق وطنية حقيقية للابتكار الصناعي قبل الانتقال إلى مرحلة تصدير الحلول.
ويتوفر المغرب على ميزة إضافية تتمثل في انفتاحه الدولي. فالتكنولوجيا التي يتم تطويرها للاستجابة لحاجيات مصنع مغربي يمكن تكييفها لاحقاً مع الأسواق الإفريقية والأوروبية والشرق أوسطية. وبذلك يمكن أن يتحول الابتكار الصناعي نفسه إلى منتج تصديري قائم بذاته. وقد يكون الجيل الجديد من «صنع في المغرب» مختلفاً تماماً عن المرحلة الأولى. فلم يعد الأمر يتعلق فقط بالقول إن منتجاً ما تم تصنيعه في المغرب، وإنما بإثبات أن جزءاً متزايداً من تكنولوجيته وهندسته وملكيته الفكرية وقيمته الاقتصادية يتم إنشاؤه داخل المملكة.
وهذا يمثل أحد التحديات الكبرى المقبلة للصناعة الوطنية: الانتقال تدريجياً من موقع منصة للإنتاج إلى موقع منصة للتصميم والابتكار والتصنيع الصناعي.


