تأتي مشاركة المغرب في القمة الروسية الإفريقية الثالثة، المنعقدة يومي 28 و29 أكتوبر 2026 بالعاصمة الروسية موسكو، في مرحلة دقيقة من التحولات الجيوسياسية الدولية، تتسم بإعادة تشكيل التحالفات، وتصاعد التوترات بين روسيا والقوى الغربية، واحتدام المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية على القارة الإفريقية. وفي خضم هذه التحولات، يتوفر المغرب على مجموعة من المؤهلات التي قد تمنحه موقعاً مهماً في تطوير العلاقات الروسية الإفريقية، بفضل دبلوماسيته متعددة الأبعاد، وامتداده الاقتصادي داخل القارة، وبنياته التحتية الصناعية واللوجستية، وموقعه الجغرافي الاستراتيجي. غير أن السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه المرحلة يتمثل في مدى قدرة المملكة على تحويل هذه المقومات إلى دور محوري داخل المنظومة الاقتصادية والدبلوماسية التي تسعى موسكو إلى ترسيخها في إفريقيا.
حضور مغربي يحمل أبعاداً دبلوماسية واستراتيجية
تشكل القمة الروسية الإفريقية الثالثة محطة جديدة في مسار العلاقات بين موسكو والدول الإفريقية. فبعد قمتي سوتشي سنة 2019 وسانت بطرسبورغ سنة 2023، تؤكد هذه الدورة رغبة روسيا في تعزيز شراكاتها مع القارة في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والزراعة والصناعة والتكنولوجيا. وتشارك المملكة المغربية في هذا الموعد الدولي بوفد ترأسه رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ممثلة للملك محمد السادس، ويضم على الخصوص وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، وسفير المملكة لدى روسيا لطفي بوشعرة.
ويعكس هذا التمثيل الرفيع الأهمية التي يوليها المغرب لهذه المحطة متعددة الأطراف، خصوصاً في ظل استمرار الاتصالات الدبلوماسية بين الرباط وموسكو، والتي تتجسد في اللقاءات والمباحثات بين ناصر بوريطة ونظيره الروسي سيرغي لافروف. غير أن أهمية الحضور المغربي تتجاوز البعد البروتوكولي، لتطرح رهانات أوسع تتعلق بقدرة المملكة على توظيف علاقاتها الثنائية مع روسيا لتعزيز موقعها الاقتصادي والدبلوماسي داخل القارة الإفريقية.
دبلوماسية التوازن في عالم تتغير فيه موازين القوى
تتمثل إحدى أبرز نقاط قوة المغرب في قدرته على إقامة علاقات متوازنة مع شركاء دوليين تتباين مصالحهم وتوجهاتهم الاستراتيجية. فالمملكة ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية وثيقة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تعمل على تطوير تعاونها مع الصين وروسيا ودول الخليج وعدد من القوى الاقتصادية الصاعدة. ويشكل هذا التنوع في الشراكات أداة مهمة في السياسة الخارجية المغربية، خصوصاً في ظل تزايد الانقسامات الاقتصادية الدولية، واتساع نطاق العقوبات التجارية والمالية، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى.
وفي هذا السياق، تتيح العلاقات مع موسكو للرباط مجالاً إضافياً للحوار والتعاون، دون أن يعني ذلك بالضرورة إعادة ترتيب تحالفاتها التقليدية أو الانخراط في اصطفافات جيوسياسية جديدة. وبالنسبة إلى روسيا، يتمتع المغرب بخصائص اقتصادية وجغرافية متميزة، تجمع بين الانفتاح على الأسواق الدولية، والقرب من أوروبا، والحضور الاقتصادي في إفريقيا، وامتلاك بنية تحتية قادرة على دعم مشاريع تجارية وصناعية عابرة للحدود.
ومع ذلك، فإن هذا التقاطع المحتمل في المصالح لا يعني أن المملكة أصبحت بالفعل محوراً مركزياً في الاستراتيجية الروسية تجاه إفريقيا. فمثل هذا الموقع ينبغي أن يستند إلى مؤشرات ملموسة، تشمل حجم الاستثمارات، وطبيعة الاتفاقيات، والدور الفعلي الذي تضطلع به المؤسسات والمقاولات المغربية في تنفيذ مشاريع التعاون.
المغرب منصة صناعية ولوجستية للانفتاح على الأسواق الإفريقية
يمثل البعد الجيواقتصادي أحد أهم المجالات التي يمكن أن تمنح العلاقات المغربية الروسية آفاقاً جديدة. فقد نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في تطوير منظومة صناعية ولوجستية متقدمة نسبياً، تشمل صناعة السيارات والطيران والفوسفاط والصناعات الغذائية والخدمات المرتبطة بالتجارة الدولية. كما ساهم ميناء طنجة المتوسط، والمناطق الصناعية في طنجة والقنيطرة والدار البيضاء، إلى جانب المشاريع المينائية الكبرى الجاري تطويرها، في تعزيز اندماج المملكة داخل سلاسل الإنتاج والتجارة العالمية.
وبالنسبة إلى الشركات الروسية الراغبة في تنويع علاقاتها الاقتصادية مع إفريقيا، يمكن لهذه البنيات التحتية أن توفر فرصاً للتعاون في مجالات الخدمات اللوجستية والتخزين والتحويل الصناعي والتوزيع. ومن هذا المنطلق، يمكن تصور مشاريع مشتركة تجمع بين المستثمرين الروس والمقاولات المغربية والأسواق الإفريقية، خصوصاً في الصناعات الميكانيكية والتجهيزات الزراعية والصناعات الغذائية وبعض التكنولوجيات المرتبطة بالطاقة.
غير أن هذه الإمكانات ينبغي التعامل معها بواقعية اقتصادية وقانونية، بالنظر إلى العقوبات الدولية المفروضة على روسيا، وصعوبات التمويل والتحويلات المالية، ومتطلبات الامتثال للقواعد التجارية الدولية. وبالتالي، فإن نجاح أي تعاون صناعي من هذا النوع يظل رهيناً بتحديد مشاريع قابلة للتنفيذ، ومجدية اقتصادياً، ومؤمنة قانونياً، ومتوافقة مع الالتزامات الدولية للمملكة.
الفلاحة والأسمدة: تكامل اقتصادي يحمل فرصاً استراتيجية
يشكل القطاع الزراعي أحد أبرز المجالات التي تستحق اهتماماً خاصاً في تحليل العلاقات الاقتصادية بين الرباط وموسكو. فروسيا تعد من كبار الموردين العالميين للحبوب، وتمتلك قدرات إنتاجية مهمة في مجال الأسمدة والمدخلات الزراعية. وفي المقابل، يحتل المغرب مكانة بارزة في صناعة الفوسفاط ومشتقاته، ويطور حضوراً دولياً متزايداً في قطاع الأسمدة وتغذية التربة. وتكشف هذه المعطيات عن فرص محتملة للتكامل الاقتصادي، وإن كانت لا تلغي وجود منافسة بين الطرفين في بعض الأسواق والمنتجات.
ويمكن أن يشمل التعاون الثنائي مجالات الأمن الغذائي، والبحث الزراعي، وتكنولوجيات التسميد، والميكنة الفلاحية، وتطوير حلول إنتاجية ملائمة لاحتياجات الزراعة الإفريقية. وتواجه القارة تحديات هيكلية كبيرة ترتبط بضعف الإنتاجية الزراعية، والتبعية الغذائية، ومحدودية الصناعات التحويلية المرتبطة بالقطاع الفلاحي. وفي هذا السياق، يمكن لمشاريع تجمع بين الخبرة المغربية والقدرات التكنولوجية الروسية واحتياجات الأسواق الإفريقية أن تفتح آفاقاً اقتصادية جديدة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الشراكات ستتحدد بمدى مساهمتها في رفع الإنتاج المحلي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتقليص هشاشة سلاسل التوريد. فالهدف لا ينبغي أن يقتصر على زيادة المبادلات التجارية الزراعية، بل يجب أن يمتد إلى بناء سلاسل قيمة قادرة على دعم التحول الإنتاجي للقارة.
الطاقة والبنيات التحتية في صلب فرص التعاون
يمثل قطاع الطاقة مجالاً آخر يمكن أن يشهد تقاطعاً بين المصالح الاقتصادية الروسية والمغربية. فروسيا تمتلك خبرة واسعة في المحروقات والتجهيزات الطاقية والطاقة النووية المدنية، بينما يواصل المغرب تنفيذ استراتيجية لتنويع مصادر الطاقة، وتطوير الطاقات المتجددة، وتعزيز البنيات التحتية الكهربائية. وتفتح هذه المعطيات إمكانات للتعاون في بعض المجالات التقنية والصناعية، غير أن طبيعة المشاريع المحتملة تستدعي التمييز بين الفرص النظرية والمبادرات القابلة للتنفيذ فعلياً. ويمكن دراسة شراكات في مجالات النجاعة الطاقية، والتجهيزات الصناعية، والبحث العلمي، والتكوين التقني، مع مراعاة الجدوى المالية والتكنولوجية والالتزامات التنظيمية. وعلى المستوى الإفريقي، لا تزال الحاجة إلى تطوير البنيات التحتية الطاقية كبيرة، إذ يرتبط تقدم التصنيع في عدد من البلدان بتوفير كهرباء مستقرة وتنافسية وبكميات كافية.
ومن هذا المنظور، يستطيع المغرب توظيف تجربته في تطوير المشاريع الطاقية وحضوره الاقتصادي في إفريقيا لدراسة صيغ تعاون صناعي ومالي ثلاثي الأطراف. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع واقعية يقتضي اتفاقيات واضحة، وتمويلات محددة، وتوزيعاً دقيقاً للمسؤوليات بين مختلف الشركاء.
قضية الصحراء المغربية في الحسابات الدبلوماسية
لا يمكن تحليل العلاقات بين الرباط وموسكو دون التوقف عند قضية الصحراء، التي تحتل مكانة مركزية في السياسة الخارجية المغربية. فروسيا، باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، تتمتع بحق النقض وتشارك بصورة مباشرة في المناقشات والقرارات الدولية المتعلقة بهذا النزاع. ومن هذا المنطلق، يمثل الحفاظ على حوار سياسي منتظم مع موسكو مصلحة دبلوماسية بالنسبة إلى المغرب، بصرف النظر عن طبيعة التعاون الاقتصادي بين البلدين.
غير أن هذه العلاقة تتطور داخل بيئة إقليمية معقدة، تتسم خصوصاً بالعلاقات التاريخية التي تجمع روسيا بالجزائر، ولا سيما في المجال العسكري. وتجد الدبلوماسية المغربية نفسها، بالتالي، أمام معادلة تستوجب التعامل مع مصالح روسية متعددة، قد تتقاطع أحياناً وتتباين أحياناً أخرى، بحسب الملفات والتوازنات الإقليمية.
ويمكن للمباحثات بين المسؤولين المغاربة والروس أن تساهم في تعزيز فهم المواقف المتبادلة، دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تحول في الموقف الروسي من قضية الصحراء. وهنا تتجلى أهمية دبلوماسية التوازن، القائمة على استمرار الحوار وإدارة الاختلافات دون التضحية بالمصالح الاستراتيجية الأساسية.
الامتداد الإفريقي للمغرب ورقة مهمة في التعاون الثلاثي
يشكل الحضور الاقتصادي المغربي في إفريقيا أحد العناصر الأساسية التي يمكن أن تدعم تطوير علاقات التعاون مع روسيا. فالمقاولات المغربية تنشط في عدة قطاعات حيوية داخل القارة، تشمل الأبناك والتأمينات والاتصالات والأسمدة والعقار والبنيات التحتية والخدمات. وقد مكن هذا الانتشار المؤسسات المغربية من اكتساب خبرة في الأسواق الإفريقية، وفهم بيئاتها التنظيمية، والتعرف على احتياجاتها الاستثمارية والاقتصادية. وبالنسبة إلى الشركات الروسية الراغبة في توسيع أنشطتها داخل القارة، قد تساهم الشراكات مع الفاعلين المغاربة في تسهيل تحديد الفرص الاستثمارية، وهيكلة المشاريع، والاستفادة من بعض الشبكات الاقتصادية القائمة.
غير أن هذه الإمكانات لا تعني أن التعاون الثلاثي سيتحقق بصورة تلقائية، إذ سيظل مرتبطاً بالمصالح التجارية للمؤسسات المعنية، وقدراتها التمويلية، والظروف الاقتصادية والتنظيمية لكل سوق. ويمكن للمغرب أن يستثمر خبراته في القطاعات البنكية واللوجستية والصناعية لمواكبة مشاريع إنتاجية مشتركة. ومن شأن هذه المقاربة أن تفتح المجال أمام نموذج تعاون يقوم على الجمع بين التكنولوجيا والتجهيزات الروسية، والخبرات الصناعية والمالية المغربية، واحتياجات الاستثمار داخل الاقتصادات الإفريقية. لكن نجاح هذا النموذج يتطلب أن تكون القيمة المضافة المحلية، ونقل المهارات، وخلق فرص الشغل، في صلب المشاريع المقترحة.
فرصة اقتصادية تتطلب رؤية استراتيجية واضحة
تأتي مشاركة المغرب في القمة الروسية الإفريقية في مرحلة أصبحت فيها الدبلوماسية الاقتصادية إحدى الأدوات الأساسية لتعزيز التنافسية الدولية. ومن أجل تحويل المؤهلات المتاحة إلى فرص استثمارية ملموسة، تبرز أهمية تحديد القطاعات التي يمكن أن يحقق فيها التعاون مع روسيا نتائج اقتصادية قابلة للقياس.
ويتطلب ذلك تعبئة منسقة للمؤسسات العمومية، وهيئات تشجيع الاستثمار، والاتحادات المهنية، والمقاولات الصناعية. كما ينبغي أن تحتل دراسات السوق، والذكاء الاقتصادي، واليقظة التنظيمية، وتحليل المخاطر الجيوسياسية، موقعاً أساسياً في إعداد المشاريع واتخاذ القرارات الاستثمارية. وتكتسي المقاولات الصغيرة والمتوسطة أهمية خاصة في هذا التوجه، بالنظر إلى إمكانية استفادتها من شراكات تكنولوجية، وأسواق تجارية جديدة، وفرص المناولة الصناعية.
غير أن القيود المرتبطة بالعقوبات الدولية والمعاملات المالية تفرض اعتماد مقاربة دقيقة في اختيار الشركاء وتأمين العمليات التجارية والاستثمارية. فالدبلوماسية الاقتصادية لا تستطيع تحقيق نتائج مستدامة إلا عندما تستند إلى معرفة معمقة بالأسواق، وقدرة على استباق المخاطر، وتنسيق فعال بين الطموحات السياسية والإمكانات الاقتصادية والتنفيذية.
خاتمة: موقع استراتيجي محتمل يحتاج إلى ترسيخ اقتصادي
تمنح القمة الروسية الإفريقية الثالثة للمغرب فرصة لتعزيز حواره مع موسكو، وإبراز مؤهلاته الاقتصادية والصناعية والدبلوماسية في سياق دولي يشهد تحولات متسارعة. فموقع المملكة الجغرافي، وبنياتها التحتية، وحضور مقاولاتها داخل القارة، وسياسة تنويع شراكاتها الدولية، تشكل عناصر يمكن أن تدعم تطوير علاقات تعاون جديدة.
غير أن التموقع في قلب المنظومة الروسية الإفريقية لا يمكن اختزاله في حضور دبلوماسي رفيع المستوى أو تقاطع ظرفي للمصالح، بل يفترض امتلاك تأثير اقتصادي ملموس، واستقطاب استثمارات مهيكلة، والمشاركة الفعلية في تصميم وتنفيذ مشاريع التعاون.
ويمتلك المغرب عدداً من المقومات التي قد تساعده على الاضطلاع بهذا الدور، لكن تجسيد هذه الإمكانات يظل مرتبطاً بالخيارات الاقتصادية، ونتائج المفاوضات الدبلوماسية، وحجم الإنجازات الصناعية والاستثمارية. وفي عالم يشهد إعادة تشكيل موازين القوى، لا يتمثل السؤال الأساسي في مدى حاجة المغرب إلى التقارب مع روسيا على حساب شركائه الآخرين، بل في كيفية الاستفادة من تنوع علاقاته الدولية لتعزيز تنافسية اقتصاده وتوسيع امتداده الإفريقي.
فالرهان الاستراتيجي الحقيقي يكمن في تحويل الدبلوماسية إلى استثمارات، والعلاقات الدولية إلى شراكات إنتاجية، والمزايا الجغرافية إلى قيمة اقتصادية مستدامة. وعندئذ فقط، يمكن للمغرب أن يرسخ موقعاً مؤثراً في الترتيبات الاقتصادية الجديدة التي تربط روسيا بالقارة الإفريقية، ليس باعتباره مجرد حلقة عبور تجارية، وإنما شريكاً صناعياً واستثمارياً يساهم في صياغة مشاريع التنمية والتكامل الاقتصادي الإفريقي.


