أحدث المقالات

المغرب يعبئ 140 مليار درهم للتحول الطاقي

يستعد المغرب لإطلاق مرحلة جديدة من التحول الطاقي والصناعي، من خلال برمجة استثمارات ذات بعد مناخي تناهز 140.58 مليار درهم في أفق سنة 2030، تشمل تطوير الطاقات المتجددة، وإزالة الكربون من الأنشطة المنجمية، وتحديث البنيات التحتية، وتحسين النجاعة الطاقية. وتعكس هذه التوجهات سعي المملكة إلى تعزيز سيادتها الطاقية، والرفع من تنافسية صناعاتها، وترسيخ موقعها ضمن سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالاقتصاد منخفض الانبعاثات.

وتندرج هذه الاستثمارات ضمن التحولات الاستراتيجية التي يشهدها النموذج الإنتاجي المغربي، في ظل تزايد الضغوط المرتبطة بتكاليف الطاقة وتشديد المتطلبات البيئية في الأسواق الدولية، خصوصاً بالنسبة للصناعات الموجهة للتصدير. وكشفت عملية لجرد المشاريع الاستثمارية شملت 40 مؤسسة ومقاولة عمومية عن تحديد محفظة استثمارات إجمالية بقيمة 155.24 مليار درهم في أفق 2030، بناءً على المشاريع ذات الصلة التي قدمتها 19 مؤسسة ومقاولة عمومية.

ومن هذا المبلغ، تمثل الاستثمارات المرتبطة بالمناخ نحو 140.58 مليار درهم، بما يعكس الوزن المتزايد لمشاريع الانتقال الطاقي والتكيف مع التحولات البيئية ضمن أولويات الاستثمار العمومي. وتشمل البرامج المرتقبة إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، وإزالة الكربون من العمليات الصناعية، وتحديث شبكات النقل والتجهيزات الطاقية، إلى جانب تطوير حلول تكنولوجية لتحسين استهلاك الموارد.

القطاع المنجمي في قلب التحول الصناعي

يحتل قطاع المناجم موقعاً محورياً ضمن هذه الاستراتيجية، بالنظر إلى أهميته الاقتصادية ودوره في الصادرات الوطنية، فضلاً عن حاجته المتزايدة إلى مصادر طاقة تنافسية ومستدامة. وتشمل المشاريع المبرمجة تحديث عدد من العمليات الصناعية المرتبطة بإنتاج الفوسفاط، خصوصاً اعتماد الكهرباء في بعض مراحل المعالجة والتجفيف، إلى جانب تطوير تقنيات التقاط ثاني أكسيد الكربون وتثمينه. وتهدف هذه التحولات إلى تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، والرفع من كفاءة المنشآت الصناعية، وخفض البصمة الكربونية للمنتجات المنجمية.

وبالنسبة لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط OCP، تشكل إزالة الكربون رهاناً استراتيجياً لتعزيز موقعها في الأسواق العالمية، حيث أصبحت المعايير البيئية عاملاً متزايد الأهمية في قرارات الشراء وسلاسل التوريد الدولية. ومن شأن تطوير إنتاج الفوسفاط والأسمدة ببصمة كربونية منخفضة أن يمنح الصناعة المغربية مزايا تنافسية إضافية، ويساعدها على الاستجابة للتحولات التنظيمية والتجارية المرتبطة بالانتقال المناخي.

الطاقات المتجددة تعزز السيادة الصناعية

تتضمن البرمجة الاستثمارية مشاريع لإحداث قدرات تصل إلى 1.2 جيغاواط في مجالي الطاقات المتجددة وتخزين الكهرباء، بما يواكب الطلب المتزايد على الطاقة ويساهم في تنويع مصادر الإنتاج. وتكتسي هذه الاستثمارات أهمية خاصة بالنسبة للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وفي مقدمتها الصناعات الكيماوية والمعدنية والمنجمية، التي ترتبط تنافسيتها بشكل مباشر بتكاليف الكهرباء واستقرار الإمدادات. كما تشمل المشاريع تطوير البنيات اللوجستية المستدامة، من خلال كهربة بعض أنشطة النقل السككي وتحديث التجهيزات الطاقية داخل المنشآت المينائية.

وفي هذا الإطار، يبرز مشروع لتزويد السفن بالكهرباء أثناء رسوها بميناء طنجة المتوسط، عبر تجهيزات تمتد على نحو أربعة كيلومترات من البنيات المينائية، مع إمكانية تفادي انبعاث أكثر من 25 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. ومن شأن هذه المبادرات أن تعزز تنافسية المنظومة اللوجستية المغربية، خصوصاً في ظل توجه التجارة البحرية الدولية نحو اعتماد حلول أقل استهلاكاً للوقود وأكثر احتراماً للمعايير البيئية.

تعبئة مالية لتسريع المشاريع الاستراتيجية

تتطلب ترجمة هذه البرامج إلى مشاريع فعلية تعبئة موارد مالية كبيرة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات العمومية والمصارف والمستثمرين والشركاء الصناعيين، فضلاً عن تطوير آليات تمويل تتلاءم مع طبيعة الاستثمارات المناخية طويلة الأمد.

وفي السياق نفسه، جرى تحديد محفظة استشرافية تضم 17 مشروعاً تقودها سبع مؤسسات ومقاولات عمومية، بهدف المساهمة في تحقيق الأهداف المناخية الوطنية في أفق سنة 2035. غير أن هذه المبالغ تظل استثمارات مبرمجة أو قيد الدراسة، ولا تعني بالضرورة تعبئة تمويلاتها بالكامل أو الشروع في تنفيذها، إذ يرتبط إنجازها بمدى جاهزية المشاريع واستكمال الدراسات التقنية وتأمين الموارد المالية.

ويواجه المغرب بذلك تحدياً مزدوجاً يتمثل في تسريع الانتقال نحو مصادر الطاقة النظيفة، مع ضمان استمرار تنافسية النسيج الصناعي الوطني وقدرته على استقطاب استثمارات جديدة. وتبرز أهمية هذه الاستراتيجية في قدرتها المحتملة على تقليص التبعية الطاقية للخارج، وتحسين ميزان الطاقة، وتعزيز القيمة المضافة المحلية، وفتح آفاق أمام صناعات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيات الخضراء.

ولم يعد التحول الطاقي بالنسبة للمغرب مجرد التزام بيئي، بل أصبح خياراً اقتصادياً وصناعياً يرتبط مباشرة بالسيادة الإنتاجية والقدرة التنافسية والتموقع في الأسواق الدولية. ويبقى الرهان الأساسي هو تحويل الاستثمارات المبرمجة إلى منشآت تشغيلية وتكنولوجيات متطورة ومشاريع منتجة، بما يسمح ببناء قاعدة صناعية أكثر استدامة، وأقل اعتماداً على الطاقة المستوردة، وأكثر قدرة على مواكبة التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

قد يعجبك ايضا