بقلم الأستاذ سعيد جميل
في كل سنة، ومع اقتراب الإعلان عن نتائج البكالوريا، يتكرر المشهد نفسه. تحبس الأسر أنفاسها، وتتابع وسائل الإعلام نسب النجاح، بينما يعلّق المسؤولون التربويون على الإحصائيات. وتظل البكالوريا أحد أكثر الأحداث المدرسية حضوراً في المشهد الإعلامي. غير أن سؤالاً جوهرياً نادراً ما يُطرح: هل ما زالت البكالوريا هي المشكلة الحقيقية في منظومتنا التعليمية؟
بعد عقود من متابعة عالم التربية وتسيير المؤسسات التعليمية والتدريس الجامعي، تبرز قناعة واضحة: إن الخلل الرئيسي لا يكمن في الامتحان النهائي، بل في صلب عملية التوجيه الدراسي.
والمغرب ليس حالة استثنائية. فمعظم بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط تتقاسم خاصية مشتركة تتمثل في توجيه متأخر، غير شخصي بما يكفي، ومتأثر بعوامل اجتماعية أكثر من كونه مبنياً على أسس تربوية.
الأرقام معبّرة؛ ففي عدد من هذه البلدان تتجاوز نسب النجاح في التعليم الثانوي 80% بل قد تفوق 90%، ومع ذلك تظهر الصعوبات بقوة عند الولوج إلى الجامعة. وتشير الدراسات إلى أن نسبة مهمة من الطلبة لا تُتم دراستها العليا في الآجال العادية، بينما تقدر بعض الأبحاث في المغرب أن ما يقارب طالباً من كل اثنين يغادر الجامعة قبل الحصول على الشهادة.
كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ إذا كان نظام التوجيه فعالاً فعلاً، فلماذا يكتشف عدد كبير من الشباب داخل الجامعة فقط أن التخصص الذي اختاروه لا ينسجم مع قدراتهم أو تطلعاتهم؟
الجواب بسيط: ما زلنا نخلط بين التوجيه والتوزيع. فالتوجيه يعني مرافقة التلميذ تدريجياً لاكتشاف مواهبه واهتماماته ومشروعه المهني، بينما يعني التوزيع مجرد إلحاقه بمقعد في شعبة متاحة.
تبدأ المشكلة منذ المرحلة الإعدادية، حيث يستطيع المدرسون التعرف مبكراً على ميول التلاميذ وقدراتهم، لكن هذه المعطيات نادراً ما تُستثمر في إطار استراتيجية حقيقية للتوجيه.
كما تلعب الأسر دوراً مؤثراً، إذ ما زالت بعض التخصصات تُربط بالنجاح الاجتماعي بغض النظر عن مؤهلات الأبناء، فيجد كثير من التلاميذ أنفسهم في مسارات لا تعكس قدراتهم الحقيقية.
وهكذا يتحول التعليم الثانوي إلى فضاء للتحضير للبكالوريا أكثر من كونه فضاء لبناء المشروع الشخصي للمتعلم. ثم تأتي صدمة التعليم العالي، حيث يجد آلاف الحاصلين على البكالوريا أنفسهم في تكوينات اختاروها على سبيل الاضطرار لا القناعة.
وتترتب عن هذا الوضع كلفة إنسانية واجتماعية واقتصادية مرتفعة، إذ تضيع سنوات من الدراسة وتتحمل الأسر نفقات إضافية، بينما تُهدر موارد الجامعات والدولة في إعادة التوجيه والانقطاع عن الدراسة.
ويستحق النموذج الألماني التوقف عنده، إذ يعتبر التوجيه ركيزة استراتيجية للنجاح التعليمي، مع مسارات متنوعة منذ سن مبكرة وربط أوثق بين التكوين وسوق الشغل عبر نظام التكوين المزدوج.
أما الأنظمة الآسيوية الأكثر نجاحاً، مثل سنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية، فتعتمد على المواكبة الفردية والتقييم المستمر وبناء مشروع المتعلم بشكل متدرج ومتناسق، بحيث لا تُختزل النجاح في امتحان نهائي واحد.
لذلك ينبغي ألا يكون المؤشر الوحيد لأداء المنظومة التعليمية هو نسبة النجاح في البكالوريا، بل يجب أن يشمل النجاح الجامعي، واستقرار المسارات الدراسية، ومدى توافق التكوين مع متطلبات سوق العمل.
إن الأسئلة الحقيقية التي يجب أن توجه السياسات العمومية هي: كم من التلاميذ يلجون التخصص الذي يرغبون فيه؟ كم منهم يُكمل دراسته العليا؟ وكم يجد عملاً منسجماً مع تكوينه وطموحه؟
إن تحدي القرن الحادي والعشرين لم يعد يتمثل في إنتاج عدد أكبر من الحاصلين على البكالوريا، بل في تمكين كل شاب من إيجاد طريقه الحقيقي.
ولهذا ينبغي أن تصبح إصلاحات التوجيه المدرسي أولوية وطنية تبدأ منذ المرحلة الإعدادية، وتشرك الأسر والمدرسين والجامعات والمقاولات، وتعتمد على معرفة دقيقة بكفاءات التلاميذ وقدراتهم.
ستظل البكالوريا شهادة مهمة، لكنها يجب أن تُنظر إليها باعتبارها مرحلة ضمن مسار متكامل لا باعتبارها نهاية المطاف. فنجاح المنظومة التعليمية يقاس بقدرة الشاب على تحويل مواهبه إلى مشروع حياة متماسك ومستدام.




