أحدث المقالات

الاستثمار الجهوي: أكادير تعبئ كفاءات مغاربة العالم لتسريع التحول الاقتصادي بجهة سوس ماسة

تعزز جهة سوس ماسة استراتيجيتها الرامية إلى استقطاب الاستثمارات وتنويع نسيجها الاقتصادي، من خلال احتضان مدينة أكادير، يومي 28 و29 أكتوبر، فعاليات الدورة الثانية من «مسيرة الاستثمار»، بمبادرة من تجمع «سوس ماسة بروموسيون» (Cluster Souss Massa Promotion). وتسعى هذه التظاهرة إلى تعبئة المستثمرين ورواد الأعمال والمؤسسات العمومية والكفاءات المغربية المقيمة بالخارج، بهدف تحويل المؤهلات الاقتصادية للجهة وشبكاتها الدولية إلى مشاريع إنتاجية ملموسة، في سياق يتسم بتسارع الأوراش التنموية والاستعداد للاستحقاقات الاقتصادية الكبرى في أفق 2030.

تواصل مدينة أكادير تعزيز موقعها باعتبارها قطباً اقتصادياً صاعداً على المستوى الوطني، من خلال احتضان مبادرات تستهدف التعريف بالمؤهلات الاستثمارية لجهة سوس ماسة، وتوسيع انفتاحها على الفاعلين الاقتصاديين المغاربة والدوليين. وتندرج الدورة الثانية من «مسيرة الاستثمار»، التي ينظمها تجمع «سوس ماسة بروموسيون»، ضمن دينامية ترابية تسعى إلى تثمين الموارد والإمكانات الاقتصادية للجهة، وتعبئة الشركاء القادرين على مواكبة تحولها الصناعي والتنموي.

ويجمع هذا الموعد ممثلين عن المؤسسات العمومية، ومستثمرين، ومقاولين، وكفاءات من مغاربة العالم، حول هدف مشترك يتمثل في تطوير شراكات اقتصادية جديدة، وتسريع إنجاز مشاريع منتجة قادرة على خلق القيمة المضافة وفرص الشغل. وتحظى الجالية المغربية المقيمة بالخارج بمكانة محورية ضمن هذه المبادرة، بالنظر إلى ما تتوفر عليه من خبرات مهنية، وشبكات أعمال دولية، وقدرات مالية واستثمارية يمكن توجيهها نحو دعم التنمية الاقتصادية للجهة.

ويتضمن برنامج التظاهرة، خلال يومه الأول، زيارات ميدانية لمواقع اقتصادية وإنتاجية، تتيح للمشاركين الاطلاع المباشر على المؤهلات الاستثمارية لسوس ماسة، والتواصل مع الفاعلين المحليين. أما اليوم الثاني، فسيخصص لتنظيم منتدى اقتصادي يتضمن مؤتمرات وورشات عمل تناقش فرص الشراكة والاستثمار وآفاق التنمية الجهوية في أفق سنة 2030.

مغاربة العالم رافعة استراتيجية للاستثمار والتنمية الترابية

تشكل تعبئة الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج أحد الرهانات الأساسية لتنويع مصادر تمويل الاقتصاد الجهوي، وتعزيز انفتاح المقاولات المحلية على الأسواق الدولية. فإلى جانب التحويلات المالية، يتوفر مغاربة العالم على رصيد مهم من الخبرات التقنية والتجارب المقاولاتية والعلاقات التجارية والمعرفة بالأسواق الخارجية، وهو ما يمنحهم قدرة على المساهمة في نقل التكنولوجيا وتطوير المشاريع الاستثمارية. وبالنسبة إلى جهة سوس ماسة، يمكن لهذا الرصيد البشري والاقتصادي أن يشكل محركاً لتطوير أنشطة صناعية جديدة، واستقطاب استثمارات نوعية، وفتح منافذ تجارية أمام المنتجات والخدمات المحلية.

وتبرز أهمية هذه المقاربة في كون الاستثمار المرتبط بالجالية لا يقتصر على توفير الرساميل، بل يمتد إلى نقل الخبرات وأساليب التدبير الحديثة، وتعزيز الابتكار، وربط المقاولات الجهوية بشبكات الإنتاج والتوزيع الدولية. غير أن الاستفادة المثلى من هذه الإمكانات تقتضي الانتقال من المبادرات الظرفية إلى بناء آليات مؤسساتية مستدامة، قادرة على مواكبة المستثمرين المغاربة المقيمين بالخارج، وتسهيل اندماج مشاريعهم في النسيج الاقتصادي المحلي.

الفلاحة والصناعات الغذائية واللوجستيك في صلب الفرص الاستثمارية

تتوفر جهة سوس ماسة على مؤهلات اقتصادية متنوعة تجعلها من المجالات الترابية الواعدة لاستقطاب الاستثمارات، خصوصاً في قطاعات الفلاحة والصناعات الغذائية واللوجستيك والسياحة والخدمات. وتحتل الصناعات الغذائية موقعاً استراتيجياً ضمن هذه المنظومة، بالنظر إلى الخبرة التي راكمتها الجهة في الإنتاج الفلاحي وتثمين المنتجات الزراعية وتوجيه جزء مهم منها نحو الأسواق الخارجية. ومن شأن تطوير وحدات التحويل والتعبئة والتلفيف والتخزين والتسويق أن يساهم في رفع القيمة المضافة للإنتاج المحلي، وتقوية سلاسل القيمة، وتعزيز تنافسية المقاولات العاملة في القطاع.

كما يمثل القطاع اللوجستي مجالاً واعداً للاستثمار، في ظل تنامي الحاجة إلى حلول متطورة للنقل والتخزين والتوزيع، ومواكبة توسع الأنشطة الصناعية والتجارية. ويمكن لتطوير المنصات اللوجستية والخدمات المرتبطة بسلاسل التبريد والتوزيع أن يدعم تنافسية المنتجات الجهوية، ويحسن قدرتها على الولوج إلى الأسواق الوطنية والدولية. وبالموازاة مع ذلك، يواصل قطاع السياحة والخدمات توفير فرص استثمارية مهمة، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها أكادير ضمن الوجهات السياحية المغربية، وما يرتبط بذلك من إمكانات لتطوير الإيواء والخدمات والأنشطة الاقتصادية المساندة. وتشكل هذه القطاعات مجتمعة قاعدة مناسبة لبناء نموذج اقتصادي جهوي أكثر تنوعاً، يقوم على التكامل بين الإنتاج الفلاحي والتحويل الصناعي والخدمات واللوجستيك.

من الترويج الترابي إلى التنفيذ الفعلي للمشاريع

رغم أهمية المبادرات المخصصة للتعريف بالمؤهلات الاقتصادية للجهات، فإن نجاحها يظل مرتبطاً بقدرتها على تحويل الاهتمام الاستثماري إلى مشاريع فعلية. فاستقطاب المستثمرين لا يتوقف على تنظيم اللقاءات المهنية أو تقديم الفرص الاقتصادية، بل يتطلب توفير بيئة أعمال ملائمة، تقوم على سهولة الولوج إلى العقار، وتعبئة التمويلات، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتطوير البنيات التحتية. وتكتسي المواكبة المؤسساتية أهمية خاصة بالنسبة إلى المستثمرين المغاربة المقيمين بالخارج، الذين قد يواجهون صعوبات مرتبطة بالمساطر التنظيمية أو بطبيعة السوق المحلية.

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تقترن مبادرات الترويج الترابي بآليات عملية لتتبع المشاريع، وتسهيل التواصل بين المستثمرين والمؤسسات المعنية، وضمان استمرارية المواكبة بعد انتهاء التظاهرات الاقتصادية. كما يتعين إيلاء اهتمام خاص لجودة المشاريع المقترحة، ومدى قدرتها على خلق فرص شغل مستدامة، وإدماج المقاولات المحلية، وتعزيز القيمة المضافة داخل الجهة.

مونديال 2030 يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار الجهوي

تكتسي الاستعدادات لاحتضان كأس العالم 2030، التي سينظمها المغرب بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، أهمية اقتصادية خاصة بالنسبة إلى الجهات المغربية، بالنظر إلى ما يرتبط بهذا الحدث من احتياجات في مجالات البنيات التحتية والنقل والإيواء والخدمات والتجهيزات. وبالنسبة إلى جهة سوس ماسة، يمكن لهذه الدينامية أن تفتح فرصاً جديدة أمام المستثمرين والمقاولات، سواء في القطاعات المرتبطة مباشرة بالنشاط السياحي أو في الأنشطة الصناعية والخدماتية الداعمة. غير أن الاستفادة من هذه الفرص تقتضي اعتماد رؤية استباقية تتجاوز الأفق الزمني للتظاهرة الرياضية، وتركز على تطوير مشاريع ذات مردودية اقتصادية مستدامة.

كما يتطلب الأمر تعزيز تأهيل الموارد البشرية، وتحسين تنافسية المقاولات المحلية، وتشجيع المؤسسات الصغرى والمتوسطة على الانخراط في المشاريع المهيكلة وسلاسل التوريد المرتبطة بها. ومن شأن هذه المقاربة أن تحول الاستثمارات المرتبطة بأفق 2030 إلى رافعة طويلة الأمد لتنويع الاقتصاد الجهوي وتعزيز جاذبيته.

نحو نموذج جهوي قائم على الاستثمار المنتج والشراكات الدولية

تمثل «مسيرة الاستثمار» بأكادير فرصة لتعزيز التقارب بين الطموحات التنموية لجهة سوس ماسة، والقدرات المقاولاتية المحلية، والشبكات الاقتصادية الدولية لمغاربة العالم. غير أن الأثر الحقيقي لهذه المبادرة سيظل رهيناً بجودة المشاريع التي ستنبثق عنها، وطبيعة الشراكات التي سيتم إبرامها، ومدى فعالية آليات المواكبة والتتبع بعد انتهاء فعالياتها. فالتحدي لا يكمن فقط في تعبئة الرساميل واستقطاب المستثمرين، بل في توجيه هذه الموارد نحو قطاعات منتجة قادرة على إحداث تحول هيكلي في الاقتصاد الجهوي، وتوسيع قاعدة المقاولات، وخلق فرص عمل مؤهلة ومستدامة.

ومن خلال الرهان على كفاءات مغاربة العالم وشبكاتهم الاستثمارية الدولية، تسعى جهة سوس ماسة إلى ترسيخ نموذج تنموي أكثر انفتاحاً على المبادرة الخاصة والتعاون الاقتصادي الدولي. وسيكون المعيار الحاسم لنجاح هذه الدينامية هو قدرة الجهة على تحويل فرص الاستثمار إلى وحدات صناعية ومقاولات تنافسية ومشاريع منتجة، بما يعزز مكانتها ضمن الأقطاب الاقتصادية الأكثر حيوية بالمملكة، ويجعل من أفق 2030 محطة فعلية لتسريع التحول الاقتصادي والتنمية الترابية المستدامة.

قد يعجبك ايضا